المطلب الخامس
توجيه العتاب لأهل الكتاب الصادين عن سبيل الله
وسبيل العصمة منهم
الآيات من (98 - 99) ، (100) .
ويختتم هذا المقطع بعتابٍ أخير للذين كفروا من أهل الكتاب بعد أن فتح الإسلام لهم سبلَ الحوار مع العلماء الراسخين من هذه الأمة، وأتاح لهم الفرصة لمحاجاتهم، وكشف لهم ضلالات أربابهم ورهبانهم، وكذبهم وخداعهم وفساد عقيدتهم، وأوضح لهم وحدة الدين ونسخ الشرائع السابقة بشريعة الإسلام، ومنهجية الإسلام في التشريع والحل والتحريم، والمنهج العملي لهذا الدين، فلماذا بعد ذلك يكفرون؟
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 98] .
ولماذا يصدون المسلمين عن اتباع سبيل الله تعالى؟
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99] .
إنهم يبغونها عوجًا؛ (أي: يلتمِسون الاعوجاج فِي دين الله ويطلبون غير سبيل القصد، ويطلبون للشريعة عوجًا وتناقضًا يظهر فيها، ويُحبُّون أن تكون سبيلُ الله عوجًا مائلةً جائرة، مع أنها مستقيمة في نفسها، لكنهم يريدون أن يُحدِثوا فيها عِوجًا وانحرافًا؛ ليصرفوا الناس عنها بعد إيمانهم بها وانقيادهم لها، ويجتهدون في إلقاء الشكوك والشبهات في قلوب الناس بكل ما يقدرون عليه من الحِيَل، ويسعَوْن في صد الناس ومنعهم من الوصول إلى المنهج القويم والصراط المستقيم، ويريدون زيغًا وميلًا عن الاستقامة في كل الأمور، ويتعمَّدون تحريفًا للحقائق وتبديلًا بالكذب والزور لموافقة أهوائهم، وقضاء حاجاتهم وأغراضهم، فهم يريدون الطريق العوجاء ولا يريدون الطريق المستقيم، ويريدون العيشَ في ظل هذا العِوَج، ويرون أن في أجواء الانحراف والفساد ما يساعدهم على تحقيق رغباتهم؛ لأنهم لا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم من الاستئثار بخيرات الأرض، ومن الكسب الحرام، ومن استغلال الناس وغشِّهم واستعبادهم، لا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم هذه في نور الإيمان بالله، وفي ظل الاستقامة على هداه، ومن ثَمَّ يصدون أنفسهم ويصدون الناس عن سبيل الله، ويبغونها عوجًا لا استقامة فيها ولا عدالة.
وهذه طبيعة في بعض الناس تُشبِه طبائع الجراثيم الضارة التي دائمًا ما تنمو وتتكاثر في ظل أجواء النتن والعفن، فإذا طلعت عليها الشمس بضيائها، ووصلت إليها حرارتُها التي تقتل الجراثيم، لذلك هي لا تريد أن تحيا في الضوء أو أن تظهر في العلن.