أولئك المنحرفون الذين يريدون أن ينحرف الناس مثل قوم لوط الذين قالوا: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56] ، وكما قال فرعون: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26] .
قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} [الأعراف: 146] ، وهم لا يشكُّون في الحق، بل قلوبهم انطوت على عوج، {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] [1] .
كما تنتقلُ الآيات إلى مخاطبة الذين آمنوا ناهية لهم عن طاعة هؤلاء المُضلِّين من الذين أوتوا الكتاب من قبلنا، لتحذِّرهم من عاقبة ذلك، وتضمن الإفلات من مكائدهم لو التزمنا أمر الله تعالى في عدم طاعتهم، فإن مالت أفئدتنا إليهم فإنها الطامَّة التي ليس بعدها طامة، ألا وهي أن ينضموا لفريق المنقلبين على الذين آمنوا، فهذه الآية جامعة مانعة لأسباب الانقلاب على المؤمنين، والتي تتمثل في أمر واحد، ألا وهو طاعة الذين كفروا، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100] .
يقول صاحب الظلال:
(إن طاعة أهل الكتاب والتلقِّي عنهم، واقتباس مناهجهم وأوضاعهم، تحمل ابتداءً معنى الهزيمة الداخلية، والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أنشئت الأمة المسلمة، كما تحمل معنى الشك في كفاية منهج الله لقيادة الحياة وتنظيمها والسير بها صُعُدًا في طريق النماء والارتقاء، وهذا بذاته دبيب الكفر في النفس، وهي لا تشعر به ولا ترى خطره القريب، هذا من جانب المسلمين.
فأما من الجانب الآخر، فأهل الكتاب لا يحرِصون على شيء حرصَهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها، فهذه العقيدة هي صخرة النجاة، وخط الدفاع، ومصدر القوة الدافعة للأمة المسلمة، وأعداؤه يعرفون هذا جيدًا، يعرفونه قديمًا ويعرفونه حديثًا، ويبذلون في سبيل تحويل هذه الأمة عن عقيدتها كلَّ ما في وُسْعِهم من مكر وحيلة، ومن قوة كذلك وعُدَّة، وحين يعجزهم أن يحاربوا هذه العقيدة ظاهرين يدسُّون لها ماكرين، وحين يعييهم أن يحاربوها بأنفسهم وحدهم، يُجنِّدون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام، أو ممن ينتسبون - زورًا - للإسلام، جنودًا مجنَّدة، لتنخر لهم في جسم هذه العقيدة من داخل الدار، ولتصد الناس عنها، ولتزين لهم مناهج غير منهجها، وأوضاعًا غير أوضاعها، وقيادةً غير قيادتها، فحين يجد أهل الكتاب من بعض المسلمين
(1) كلمات للدكتور عبدالرحمن عبدالبر، عميد كلية أصول الدين بالمنصورة جامعة الأزهر، بعنوان:"لا للذين يبغونها عوجًا، بل نريدها أمة من الذهب".