وهذه القاعدة الفقهية هي أصل في التشريع الإسلامي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها ) ) [1] .
وعليه فإن ما يفتريه غير المسلمين على الله تعالى من تحريم أمور لم يحرمها، وابتداع رهبانية لم تُكتَب عليهم، واختراع طقوس غير مفروضة، كلُّ ذلك هو محض افتراء على الله تعالى، فهذه القاعدة التي أقرها الإسلام هي مقصد من مقاصد التشريع الرباني، فالكتب المنزلة لم تنزل لكي تحرم، وإنما التحريم يدور مع الظلم وجودًا وعدمًا، وما الكتب المنزلة إلا مناهج للبشر، فلا عَلاقة بين نزول الكتاب وعلة التحريم، وإنما يتضمن الكتاب حكم التحريم من باب البيان، فالتحريم كان سابقًا على نزولها، قال تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93] .
وقد خلت التوراة والإنجيل من تحريم شيء إلا بظلم من الذين هادوا، قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146] .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم الشحوم جملوها ثم باعوها وأكلوا أثمانها) [2] ، فلما حاجَّهم القرآن بالتوراة، وأمرهم أن يستخرجوا منها حكمًا يدل على التحريم المطلق غير المعلل بظلمٍ وقع منهم، قال تعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93] ، فلم يفعلوا ولم يفتحوا كتبهم ليُقِيموا الحجة على أنفسهم، وقد أهملوا في حفظها وحرَّفوها، ومن ثَمَّ كانت الحاجة داعية؛ لأن يأتي الإسلام بتشريع جديد يقيم الحجة عليهم، ويبين لهم أصل الحلال والحرام، ويقطع دابر كل مفترٍ على الله تعالى، ولا تطوله أيدي المحرِّفين ولا تأويلات الفاسدين، فهو محفوظ بإذن الله تعالى متنًا وتلاوةً، وتطبيقًا وعملًا، وآية حفظه حفظ شعائره ومناسكه إلى يوم القيامة كما نشاهده اليوم في أداء شعيرة الحج.
(1) رواه الدارقطني ج 4 ص 297 رقم 104، ج 4 ص 183 رقم 42، وحسنه الألباني: شرح العقيدة الطحاوية ج 1 ص 338، وحسنه بشاهده في الإيمان لابن تيمية ج 1 ص 44، انظر تراجعات العلامة الألباني في التصحيح والتضعيف ج 1 ص 26.
(2) رواه أحمد في مسنده ج 14 ص 240 رقم 6702، وصححه الألباني: الجامع الصغير ج 1 ص 774 رقم 7740 - صحيح الجامع 4291.