وهكذا يضع الإسلام معيارًا دقيقًا بين الحل والتحريم، ليكون الظلم الذي يقع فيه الناس سببًا للتحريم، فإذا ما ارتفع الظلم عادتِ الأمور لأصلِها وهو الإباحة، يقول سبحانه: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91] .
ولم ينفرد الإسلام بهذه النظرة للحل والتحريم، وإنما اتَّحدت الشرائع السابقة في ذات المقاصد، فلم تُحرِّم الأشياء على القوم السابقين إلا بسبب ما وقع منهم من ظلم، يقول المولى سبحانه: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 160، 161] .
وعن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج، فحجُّوا ) )، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لو قلتُ نعم لوجبت، ولما استطعتم ) )، ثم قال: (( ذروني ما تركتكم، فإنما هلك مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ) ) [1] .
فكان في هذا الحديث فرصة لإيضاح منهج القرآن الكريم في التشريع، وبيان الحل والحرام، ليعلم المسلمون جميعًا أنهم غير مَعْنِيِّين بهذا الأمر، وأن هذا الأمر من خصائص الألوهية، فالله وحدَه هو صاحب الأمر والنهي والحل والتحريم، وليس للعبد إلا الإذعان لهذه المشيئة.
ومن ثَمَّ ضربت الآيات مثلًا بنَبِيِّ الله تعالى يعقوب (إسرائيل) ؛ إذ لما وقع الظلم من قومه حرَّم الله عليهم طيبات كانت قد أُحِلَّت لهم، قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160] .
ولَمَّا كان يعقوب عليه السلام مخاطبًا معهم بالتشريع الإلهي، بل هو قدوة لهم وأسوة في تنفيذ أوامر الله، حرَّم على نفسِه ما حرَّمه الله تعالى على بني إسرائيل، ليكون امتثالُه لأمر الله تعالى حجَّةً عليهم ليمتثلوا كذلك أمره سبحانه، وهو الأمر الذي يُعلِّم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ألا يتعدوا النبي صلى الله عليه وسلم في التشريع، فما حرمه على نفسه فهو حرام، وما لم يحرم فهو حلال، باعتبار أن الأصل في الأمور الإباحة.
بل إن الله عاتب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن حرَّم على نفسه بعض الطيبات لم ينزل من الله تعالى حكم بتحريمها، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ} [التحريم: 1] .
(1) رواه مسلم ج 7 ص 42 رقم 2380.