فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 177

لابد - كذلك - من ربط أصول التشريع الإسلامي جميعًا بالمظهر العملي الذي ينبغي أن يقتدي به المسلمون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى لا يحيدوا عنه، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم منهجًا عمليًّا لتطبيق القرآن، فإن جموع الحجيج من الأمة المسلمة في أظهر شعائرها وفي أقدس أماكن الأرض، والذي به آثر إبراهيم كدليل على تخصيص هذه الأرض لإقامة عبادة الله وشعيرة الحج على ملة الإسلام، وفي أنقى لحظات الإيمان والتجرد من الدنيا وهي الإحرام، كل ذلك كله لَيؤكِّد أن الحج هو المنهج العملي لسائر الناس حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، لتظل معجزة الإسلام حية بين المسلمين جيلًا بعد جيلٍ، يشاهدها كل حي يولد ويرزق في كل زمان.

ومن هنا جاء الإسلام ببيان الحكمة من تشريع الحج كأظهر مظاهر الإسلام في العبادة، وأجمع العبادات لشتات القلب، لينظر الناس إلى المسلمين، فيتعرفوا منهم على الإسلام من خلال هذه العبادة في هذا المكان في وقت حجِّهم، ولا يحتج بمخالفة المسلمين لمنهج الإسلام طالما وجد في الأمة مَن يحج بيت الله الحرام ويلتزم مناسكه.

فقوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 96، 97] ، فيه عدَّة إشارات ودلالات على أن شعائر الإسلام لم تتغيَّر منذ أن خلق الإنسان حتى قيام الساعة، وفيه إشارة إلى أن البيت الحرام بُنِيت قواعده قبل أن يرفع نبي الله إبراهيم قواعده بعد أن طُمِست معالمه في عهد نبي الله نوح عليه السلام بسبب الطوفان، وهو ما يؤكده دعاء إبراهيم ربه وقبل أن يشرع في رفع قواعد البيت: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم: 37] .

وكونه وُضِع للناس فيه إشارة إلى تزامن وضعِه مع خلق الناس، ومن ثَمَّ فلا مجال للاستطراد في الحديث عن وضعه قبل خلق آدم، فليس هذا محلاًّ للبحث [1] .

كل ما نحتاج لإثباته في هذا الصدد أن الكعبة كانت أول القبلتين، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أوَّل؟ قال: (( المسجد الحرام ) ) [2] ، قال: قلت: ثم أي؟ قال: (( المسجد الأقصى ) )، قلت: كم كان بينهما قال: (( أربعون سنة ) ) [3] .

ويدل على أن المراد بالبيت بيت العبادة لا مطلق البيوت [4] ، فالمسجد - في الإسلام - هو أول ما يكون في المدن، وإذا أريد إنشاء مدينة جديدة كان المسجد هو قصبتها، وهو نقطة مركزها [5] .

(1) هذا ما انتهى إليه الشيخ الشعراوي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية؛ تفسير الشعراوي ج 1 ص 1093 وما بعدها.

(2) رواه البخاري ج 11 ص 152 رقم 3115.

(3) رواه البخاري ج 11 ص 152 رقم 3115.

(4) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للمباركفوري ج 2 ص 468 رقم 759.

(5) الشيخ عطية محمد سالم: شرح بلوغ المرام ج 52 ص 7

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت