غريب ورهيب؛ إذ يستشعر بوحشة وانقباض شديد في عضلة القلب، وإن شئت فقل خفقان واضطراب عجيب في نبض القلب، وكأنه يفقد شيئًا غاليًا، وعند عودته للبيت الحرام ينشرح قلبه مرة أخرى، وعندما يقف المرء ليسأل نفسه عن تفسير هذه الظاهرة يجد أنه كان مطمئنًا لأول مرة في حياته من الله تعالى، وهو في بيته الحرام؛ لأن الله وعد بذلك {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] ، فلما خرَج منه أحس بالخوف والقلق أن تقصر أعماله عن أن يُرضي الله تعالى، {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28] ، وقال في كتابه: {ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر: 16] ، فيعيش في خوف ولا يغلب عليه الرجاء إلا وهو داخل البيت، لِمَ لا وهو لا يهم بخاطرة إلا أن تكون خيرًا، ولا يتذكر سيئة إلا وقد تاب عنها، فعن عبدالله بن مسعود في قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] ، قال: (لو أن رجلًا همَّ فيه بإلحادٍ وهو بِعَدَن أَبْين لأذاقه الله عذابا أليما [1] .
وقد جعل الله تعالى من الحج علامةً ودليلًا على كمال الإسلام، وذلك بقوله سبحانه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] ، فتقديم الخبر على المبتدأ أسلوب قصر وحصر، (ولله) تقديم الجار والمجرور (لفظ الجلالة) على سائر كلمات الآية، هو من باب القصر البلاغي المراد به التخصيص، والحصر (لله) ؛ أي لله وحده، ثم إن اللام تشعر بالملكية بجانب التخصيص، (على الناس) تقديم آخر على المراد (حج البيت) يوحي هذا التقديم البلاغي بحصر الحج بحتميته على الناس [2] ، ولذلك أردفها الله تعالى بذكر الكفر في قوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] .
وعن عمر بن الخطاب يقول: (ليمُتْ يهوديًّا أو نصرانيًّا(يقولها ثلاث مرات) رجل مات ولم يحج، وجد لذلك سَعَة، وخليت سبيله) [3] .
يقول سبحانه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] .
(1) رواه أحمد في مسنده ج 9 ص 124 رقم 4089.
(2) محمد بن أحمد الرشيد - تأملات في الحج وحكمته - مجلة الرياض العدد 14771 بتاريخ 4 ذي الحجة 1429 هـ.
(3) رواه البيهقي في السنن ج 4 ص 334 رقم 8443، وقال الألباني: حسن الإسناد، وثابت عن عمر بن الخطاب موقوفًا.