وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار )) [1] ؛ أي: إنه يتعين عليه أن يتحلى بصفتين إيجابيتين، ويتخلى عن صفة سلبية، فيُقدِّم حب الله ورسوله على ما سواهما من أهل، وعشيرة، وزوجة، ومال، وأولاد، ومسكن، وضيعات ... ، ولا يكون هؤلاء عقبةً في جهاده في سبيل الله، وأن يكون حبُّه لأهل الإيمان لأجل حب الله لهم، بأن يخلي قلبه من حظه في حبهم، فيتجرد حبه لهم من أي غرض دنيوي، فلو كانت زوجته فلا يشتهيها إلا لأجل طاعتها لله، ولظنه حب الله لها ... ، وقِسْ على ذلك سائر الأمثلة، قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] .
ويتحقق ذلك بكمال الطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يتحقق ذلك بموالاة الكافرين وحبهم، ولذلك أردفها المولى سبحانه بقوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32] .
إذًا هناك فجوة بين القول بحب الله تعالى اعتقادًا واتباع منهج الإسلام عملًا؛ لأنه حين ينطق اللسان بالشهادتين ويدخل المرء في الإسلام، لا يجب مخاطبته بكل التكاليف الشرعية جملة واحدة، وإلا انصرف عن الإسلام، كأن يخاطب بحرمة الزنا والخمر والقمار ... ، إلخ، فيستصعب ذلك ويترك الإسلام أو ينقلب عليه.
تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:"لو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا" [2] .
بَيْدَ أنه لكي يحتسب على الصف المرابط في سبيل الله تعالى، وحتى يحتسب من جنود الإسلام لا بد وأن يهجر الكفر كله، بل وأشخاص الكافرين كذلك، ويمقتهم في سبيل الله تعالى، لأجل أن الله لا يحب الكافرين، فإذا تحقق ذلك احتسب من المؤمنين المرابطين في سبيل الله.
(1) رواه البخاري ج 1 ص 26 رقم 15.
(2) رواه البخاري ج 15 ص 394 رقم 4609.