فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 177

خرج لأنه سوف يسلك سلوك المرتدين، فيقع منه فعل مادي يستوجب عليه حد الردة، ومن ثم كان خروجه بمثابة خروج من الحد عندما تتحقق شرائطه، وكان ذلك كذلك، كان لأجل عدم صبره على ما يصبر عليه المسلمون من العيش في المدينة المنورة.

قال العلماء: (وهو الحمى، وقيل: ألمها، وقيل: إرعادها) [1] .

قال العلماء (إنما لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم بيعته؛ لأنه لا يجوز لمن أسلم أن يترك الإسلام ولا لمن هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم) [2] .

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لَمَّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال، قال بلال: اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مُدِّنا، وصحِّحها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة ) )، قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله [3] .

قال الحافظ ابن حجر:"قوله: (على الإسلام) ظاهر في أن طلبه الإقالة كان فيما يتعلق بنفس الإسلام" [4] .

ففي الحديث إشارة إلى أن مجرد الردة المصحوبة بالاعتذار لم يكن يعاقب عليها حدًّا، بل ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره، وبيَّن علة ذلك أن المدينة تنفي خبثها؛ إذ لا يضير الإسلام والمسلمين أن ينكشف الخبث عن الناس فيظهروا على حقيقتهم، بل إن في ذلك مصلحةً حتى يبين الحق من الباطل، ويظل لا يدافع عن الحق إلا أهله.

يقول الشيخ محمد عبده: (هذا النوع الذي تحكيه الآية من صد اليهود عن الإسلام مبنِيٌّ على قاعدة طبيعية في البشر، وهي أن من علامة الحق ألا يرجع عنه مَن يعرفه) [5] .

وكان مما سأل هرقلُ عنه أبا سفيان من شؤون النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله: هل يرتد أحد من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال أبو سفيان: لا، فصدقه هرقل، وكان عالمًا بالكتاب، فقال: (كذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب) [6] .

(1) عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ج 35 ص 313: لبدر الدين العيني، تحفة الأحوذي ج 10 ص 288 لأبي العلاء المباركفوري.

(2) شرح النووي على مسلم ج 9 ص 156.

(3) رواه البخاري ج 6 ص 449 رقم 1756.

(4) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج 13 ص 200.

(5) تفسير المنار ج 3 ص 333 لمحمد رشيد رضا.

(6) رواه البخاري 1 ص 8 رقم 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت