فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 177

الله، وإن كان المقصد من تأييده بتلك المعجزات هو قطعَ كلِّ حجة على بني إسرائيل لأن يكذبوه ولأن يهمُّوا بقتله، وبالرغم من ذلك لم يتغير منهجهم مع أنبياء الله تعالى، فمكروا لقتله، ولكن الله تعالى رفعه إليه، فكانت محاولة قتله خير شاهد على ظلمهم، وهنا نخلص لنتيجة مُؤدَّاها أن المعجزات المادية ليست هي التي ينشرح بها القلب للإيمان، فقد ازداد بنو إسرائيل قسوةً لَمَّا مكروا لقتله بعدما رأوا المعجزات، وازداد قوم عيسى عليه السلام ضلالًا لَمَّا أذهلتهم المعجزات وفُتِنوا بها، فعبدوا عيسى ابن مريم من دون الله، فلم تَصِرِ الأمورُ إلى هدى الله؛ حيث أضحى عيسى ابن مريم بين كفر المغضوب عليهم الذين يريدون قتله، وكفر الضالين الذين عبدوه من دون الله، ولذلك اشترط عيسى عليه السلام على الحواريين نصرته، فإن لكل نبي حواريين، وكان حواريُّو عيسى ابن مريم مثالًا يَحتذِي به حواريُّو رسول الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا نصروه في أُحُد وقد التف الكفار حوله ليقتلوه صلى الله عليه وسلم [1] ، فعن قيس قال: رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد [2] .

وهنا وقفة لأصحاب الدعوة والذين يبحثون عن منهج حركي لها في فترات علوِّ الكافرين وقلة الناصرين؛ حيث ينادي عيسى ابن مريم في أتباعه: مَن أنصاري إلى الله؟

قال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52] ، فعن ابن مسعود قال:"نحن أعلم الناس من أين تسمَّت اليهود باليهودية، والنصارى بالنصرانية، إنما تسمت اليهود باليهودية بكلمة قالها موسى: إنا هُدْنا إليك، فلما مات قالوا هذه الكلمة كانت تعجبه فتسمَّوا اليهود، وإنما تسمت النصارى بالنصرانية لكلمة قالها عيسى: مَن أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله، فتسموا بالنصرانية [3] ."

وهذا هو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم حينما مُنِي المسلمون بالهزيمة في أُحُد؛ حيث انتدب منهم مَن خرج في أحد ولم تجفَّ دماؤهم من الجراح ليقاتلوا من الغد في حمراء الأسد، ومضى على ذلك فعل الصحابة والتابعين اقتداءً بالأنبياء من قبلهم، فعن التابعي الجليل ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما

(1) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج 1 ص 201.

(2) رواه البخاري ج 12 ص 457 رقم 3756.

(3) الدر المنثور في التفسير بالمأثور ج 1 ص 131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت