فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 177

وقعت الفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم [1] .

وهكذا كلما وقعت فتنةٌ تثبَّت أهل الحق والدعوة ممن ينضمُّ إليهم ويؤازرهم ويمضي معهم على الجادة والصراط المستقيم.

بَيْدَ أن الأمر لم يقف عند مرحلة تميز الفريقين، فريق الكافرين برسالة عيسى وفريق المناصرين له، وإنما تطوَّر الأمر إلى أن مكر الكفار ليقتلوه، والانقلاب على آخر أنبياء بني إسرائيل، والذي يفترض أنه يكون القائد السياسي لهم، وأن يؤول الحكم له بأمر الله كما ظهرت على يديه المعجزات بإذن الله، ولكن الله أسرع مكرا، وهو خير الماكرين، ليؤجِّل الله تعالى حسم الصراع مع الذين كفَروا إلى آخر الزمان، ليرفع عيسى ابن مريم إليه في سماواته، ثم يبعثه مرة أخرى ليقتل الخنزير ويكسر الصليب، ويقيم الدين على ملة دين أبيه إبراهيم عليه السلام وشريعة نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، ويبين الله آياته ويحقق حكمته من خلقه على يد نبيه عيسى كما بدأها على يد آدم عليهما السلام.

قال الرازي في حوارٍ بينه وبين نصراني:

(قال النصراني: أنا لا أقول في عيسى عليه السلام إنه كان نبيًّا، بل أقول إنه كان إلهًا.

فقلت له: الكلام في النبوَّة لا بد وأن يكون مسبوقًا بمعرفة الإله، وهذا الذي تقوله باطل، ويدل عليه أن الإله واجب الوجود لذاته، فيجب ألا يكون جسمًا ولا متحيزًا ولا عرضًا، وعيسى عبارة عن هذا الشخص البشري الجسماني الذي وجد بعد أن كان معدومًا، وقُتِل بعد أن كان حيًّا - على قولكم - وكان طفلًا أولًا، ثم صار مترعرعًا، ثم صار شابًّا، وكان يأكل ويشرب ويُحدِث، وينام ويستيقظ، وقد تقرر في بداهة العقول أن المُحدَث لا يكون قديمًا، والمحتاج لا يكون غنيًّا، والممكن لا يكون واجبًا، والمتغير لا يكون دائمًا) [2] .

وليس أيسر من القرآن في الرد عليهم بقوله تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المائدة: 75] .

وإزاء معجزات نبي الله عيسى عليه السلام التي لم يرضخ لها بنو إسرائيل، وبالرغم من ماديتهم، وأن الله تعالى جاء إليهم بأقصى ما يحلُمون به ويطلبونه من مادية، بَيْدَ أن ذلك كله لم يوافق هواهم، لعلمهم أن مقابل هذه المعجزات أن يسلموا لله ويذعنوا له بالعبادة، فيتركوا المادة طوعًا، ليُقبِلوا على ما تزكو به أنفسهم اختيارًا، وذلك بخلاف مادية السامري التي ازدادوا بها مادية إلى ماديتهم، فلم تزكُ روحهم وازدادوا بها بعدًا عن الله،

(1) رواه مسلم في صحيحه ج 1 ص 34.

(2) الرازي ج 4 ص 238.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت