فإن منهج قوم عيسى عليه السلام كان على خلاف منهج بني إسرائيل؛ حيث عمد الكثير منهم إلى المبالغة بهذه المعجزات، فلم ينتبهوا إلى أن ذلك كله بإذن الله، وإنما اعتبروا أن ذلك دليلٌ على أن عيسى عليه السلام ابن الله، فضلُّوا بهذا الاعتقاد، وأضلُّوا غيرَهم، وظلت عقيدتهم الفاسدة تُتَوارث حتى جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وخاطبهم القرآن الكريم، فأفصح لهم عن حقيقة عيسى ابن مريم الذي فيه يختلفون، بأنه ليس هو ابنَ الله أو الله، وليس ثالث ثالثة (الأب والابن وروح القدس) ، ليُؤكِّد لهم حقيقته، وأنه نبي الله وعبد من عباده، وأن معجزة خلقه لا يستعصي على العقل فهمُها، كما في معجزة خلق آدم عليه السلام، وأنها من دلائل كمال قدرة الله تعالى، الذي خلق آدم بلا أم وأب، وخلق حواء بلا أم، وخلق عيسى بلا أب، وخلق الناس جميعًا بأب وأم، فاكتملت دلائل قدرته، لتخرج من حيِّز القدرة والتمكن إلى حيز الذي مضى وكان، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يكون له كن فيكون.
وهنا تكتمل الفائدة ويستوعب المسلمون عقيدة النصارى ليشرعوا بعد ذلك في دعوتهم، وقد علَّمهم القرآن ما يجول بخاطرهم، وما يقع في قلوبهم من شبهات، ليشرع الدعاة إلى محاجاتِهم ودعوتهم إلى كلمة سواء في أمر عقيدة التوحيد لله تعالى، كما أنزلها على رسله السابقين، وهو الأمر الذي استتبع أن يرجع بهم إلى أصل الاعتقاد في الله تعالى منذ أن نزل الوحي بالكتب والرسالات على إبراهيم عليه السلام.