فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 177

قال الطبري:

(أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي، لا يُظلَم أحدٌ بأرضه، وكان يثني عليه، وكانت أرض الحبشة متجرًا لقريش يتَّجِرون فيها، فأمرهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب إليها عامتهم لما قُهِروا بمكة وخاف عليهم الفتن) [1] .

وكان أمرُهم بالمعروف، ونهيُهم عن المنكر، ومسارعتُهم للخيرات، هو ضرب من ضروب التوحيد لله تعالى، بالرغم من عدم إعلان ذلك، فهم يعملون لله، ويرابطون على ثغور الإسلام، بل وقد يحتمي بهم المسلمون، وينكرون على مضطهديهم محاولاتهم لاستردادهم، ولا يقبلون أي رشوة لتسليمهم إليهم، فقد روى الإمام أحمد بسنده عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلًا، فيهم عبدالله بن مسعود، وجعفر، وعبدالله بن عرفطة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى، فأتوا النجاشي، وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له، ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: إن نفرًا من بني عمِّنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا، قال: فأين هم؟ قالا: في أرضك فابعث إليهم، فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه، فسلَّم ولم يسجد، فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا لله عز وجل، قال: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث إلينا رسولًا، ثم أمرنا ألا نسجد لأحد إلا لله عز وجل، وأمرنا بالصلاة والزكاة، قال عمرو: فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم، قال: فما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه؟ قال: نقول كما قال الله: هو كلمته، وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسَّها بشر، ولم يفرضها ولد، قال: فرفع عودًا من الأرض، ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي نجد في الإنجيل، وأنه الرسول الذي بشَّر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيتُه حتى أكون أنا الذي أحمل نعلَيْه وأوضِّئه، وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما، ثم تعجَّل عبدالله بن مسعود حتى أدرك بدرًا، وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر له حين بلغه موته [2] .

وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي لما مات، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه خرج إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعا [3] ، فالآيات

(1) تاريخ الطبري ج 1 ص 546، وانظر صحيح السيرة النبوية للألباني ج 1 ص 176.

(2) رواه أحمد في مسنده ج 1 ص 461 رقم 4400، صحيح السيرة النبوية للألباني ج 1 ص 164: وقال رواه أبو نعيم في الدلائل بإسناد جيد وهو حديث حسن.

(3) رواه البخاري ج 4 ص 467 رقم 1168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت