يقول المفكر الدكتور/ سليم العوا:
(فكرة عقد الذمة ليست فكرة إسلامية مبتدأة، وإنما هي مما وجده الإسلام سائغا بين الناس عند بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فأكسبه مشروعيته، وأضاف إليه تحصينًا جديدًا بأن حوَّل الذمة من ذمة العاقد أو المُجِير إلى ذمة الله ورسوله والمؤمنين؛ أي ذمة الدولة الإسلامية نفسها، وبأن جعل العقد مؤبدًا لا يقبل الفسخ، حماية للداخلين فيه من غير المسلمين، ويترتب على ذلك - في أصح أقوال الفقهاء - حرمةُ مالِهم ولو لم يكن متقومًا في نظر الإسلام كالخمر والخنزير، وجواز إقامة دُور العبادة التي يتعبَّدون فيها، وقَبول شهادتهم إلا في الأمور الدينية للمسلمين [1] .
وقد نص الفقهاء بلسان ابن حزم الظاهري على أن (مَن كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك صونًا لمن هو في ذمة الله ورسوله، فإنه تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة) [2] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد عرَف النصارى كلهم أني لما خاطبت التتار في إطلاق الأسرى وأطلقهم غازان وقطلوشاه وخاطبت مولاي فيهم فسمح بإطلاق المسلمين قال لي: لكن معنا نصارى أخذناهم من القدس، فهؤلاء لا يطلقون، فقلت له: بل جميع مَن معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، فإنا نفتكهم ولا ندع أسيرًا لا من أهل الملة) [3] .
ومن هنا نشأ فرض الجزية، فكما أن الزكاة مفروضة على المسلمين، فإن الجزية مفروضة على الكافرين المعاهدين، فلا ينتقص من هذا حق ولا من ذاك، في إطار مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات المالية والرعوية، مع مراعاة عدم المساواة بينهما عند رب العالمين.
وما كفرهم بآيات الله - سواء بإنكارها، أو بعدم الاحتكام إليها، وإنزالها على واقع الناس وحياتهم - ولا قتلهم للأنبياء، ولا معصيتهم لله، واعتداؤهم على حرمات الإسلام، بمُعِزِّة لهم، ولا بمخرجة لهم مما هم فيه من الذلة والمسكنة، حتى ولو كانوا قد عاهدوا الله وعاهدوا المسلمين، فإنهم بغدرهم هذا أضحوا مستحقين اللعن ومستحقين لأن ينزل غضب الله تعالى عليهم، وما كان قتل الأنبياء إلا لحكمة قدَّرها الله تعالى وهي اصطفاء الله لعباده المصطَفين من بين قومِهم، الذين تخلوا عن نصرتهم ولم يتَّبِعوا منهجهم، فكان لا بد من أن يتحقَّق
(1) د/محمد سليم العوا: الأقباط والإسلام، حوار 1987، ص 27 وما بعدها.
(2) أنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي، الفرق التاسع عشر والمائة بين قاعدة بر أهل الذمة وبين قاعدة التودد لهم /الناشر عالم الكتب.
(3) كتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في الفقه ج 28 ص 617.