فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 177

وكذلك اشتركت مريم الصدِّيقة مع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في التطهير، لقولِه تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] ، وكذا عيسى ابن مريم، قال تعالى: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [آل عمران: 55] .

قال ابن عجيبة: (لا يصطفي الله العبدَ لحضرته إلا بعد تطهيره من الرذائل، وتحليته بأنواع الفضائل، وقطعه عن قلبه الشواغل، والقيام بوظائف العبودية، وبالآداب مع عظمة الربوبية، والخضوع تحت مجاري الأقدار، والتسليم لأحكام الواحد القهار) [1] .

ولعل اصطفاءها بعد التطهير لأجل المهمة التي أُلقِيَت على عاتقها بالحفاظ على رضيعها"عيسى"من أيدي المعتدِين الذين يريدون قتله، حتى إنه سمي المسيح لأجل سياحته في الأرض فرارًا بدينه ودعوته، فلفظ (المسيح) على وزن فعيل، صرف من مفعول إلى فعيل، وإنما هو ممسوح، وكلمة"المسيح"تطلق على عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، كما تطلق على المسيح الدجَّال، ولذلك قيل إنه مسيح لسياحته في الأرض، فقد كان كثير الحركة والتنقل، وذلك لنشر دعوته، ولاضطهاده ومحاولات قتله، ولذلك قيل للمسيح.

أما الدجَّال، فإنما قيل له مسيح لمسحه الأرض وقطعه لها، وقيل غير ذلك، فعن ابن عباس أنه قال: إنما سمي عيسى مسيحًا؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برأَ، ولا يضيع يده على شيء إلا أُعطِي فيه مُراده.

وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: سمي المسيح مسيحًا؛ لأنه كان يمسح الأرض؛ أي: يقطعها، ويقال: إنما سمي المسيح مسيحًا لسياحته في الأرض [2] .

والظروف التي أحاطت بزكريا ومريم وابنَيْهما يحيى بن زكريا وعيسى ابن مريم، وإن كانت لتشهد أن أهل الحق مهدَّدون بالقتل في كل لحظة إلا أنها تشهد كذلك بأن الحق لا يزال قائمًا بالرغم من شدة الباطل في الصد عن سبيل الله تعالى، وذلك من خلال مسارعة المجتمع المحيط بامرأة عمران في كفالة مريم عليها السلام.

قال ابن تيمية: (فهذه مريم احتاجت إلى مَن يكفُلُها ويحضنُها، حتى أسرعوا إلى كفالتها، بل وتنافسوا على ذلك، فكيف غيرها من النساء، وهذا أمر معروف بالتجرِبة، أن المرأة تحتاج من الحفظ والصيانة ما لا يحتاج إليه الصبي، وكل ما كان أستر لها وأصون كان أصلحَ لها، ولهذا كان لباسُها المشروع لباسًا يسترها) [3] .

(1) تفسير ابن عجيبة ج 1 ص 277.

(2) الزاهر في معاني كلمات الناس للأنباري ج 1 ص 337 - لسان العرب ج 2 ص 593.

(3) مجموع الفتاوى ج 34 ص 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت