فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 177

وقد أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار (أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، وإنما العلماء أهل الأثر والفقه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والفهم) [1] .

قال ابن كثير:

(إن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا، حين قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حُنَين، فكأنهم رأَوا في عقولهم الفاسدةِ أنه لم يعدِل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة، فقال قائلهم - وهو ذو الخُوَيْصِرة: اعدل، فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( لقد خبتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدل، أيأمنُني على أهل الأرض ولا تأمنوني ) ) [2] .

ثم أدبر الرجل فاستأذن رجل من القوم في قتله - يرون أنه خالد بن الوليد - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن من ضئضئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويَدَعون أهل الأوثان، يمرُقون من الإسلام كما يمرُقُ السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ) ) [3] .

قال العلماء:

(وأصل الزيغ الميل، ومنه زاغت الشمس إذا مالت، فأزاغه القلب إمالته، وزيغه ميله عن الهدى إلى الضلال) [4] .

قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5] .

قال ابن حجر:

"في ختم الآية {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7] تعريضٌ بالزائغين، ومدح للراسخين؛ يعني من لم يتذكر ويتَّعِظ ويخالف هواه، فليس من أولي العقول، ومن ثَمَّ قال الراسخون: ربنا لا تزغ قلوبنا إلى آخر الآية، فخضعوا لباريهم لاشتراك العلم اللدني بعد أن استعاذوا به من الزيغ النفساني" [5] .

الصورة الثانية: الرباط في العبادة على بصيرة (8 - 9) :

تؤكِّد السورة أن منهج الدعوة الذي اتَّبعه الرسل لا يتغير ولا يتبدل، ويقوم على ثلاث ركائز أساسية:

* فلا بد فيه - أولًا - من الرسوخ في العلم بالكتاب والرباط على طلب العلم في سبيل الله، لغلق كل منفذ لأصحاب الأهواء ومتَّبِعي الشبهات، ولحفظ هذا الدين من أي تحريفٍ أو تبديل أو تأويل بغير علم.

(1) جامع بيان العلم لابن عبدالبر ج 2 ص 96.

(2) تفسير ابن كثير، ج 2 ص 10.

(3) رواه مسلم ج 5 ص 296 رقم 1762.

(4) شفاء العليل لابن القيم الجوزية ج 1 ص 100.

(5) فتح الباري لابن حجر، ج 8 ص 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت