* ولا بد فيه - كذلك - من الرباط على الدعاء في المحراب، باعتبار أن العبادة والعلم يتعاضدان لتكوين شخصية المسلم الذي يحمل أمانة هذا الدين، وقد أكثر القرآن من وصف العلماء بما هو عليه حالهم من العبادة، كما في قوله تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] ، فالعالم الرباني هو الدائم الصلة بالله تعالى مع اجتهاده في طلب العلم ودراسته، فإذا كان هذا هو منهجَ النبي صلى الله عليه وسلم، فأولى بأن يكون منهجنا، فعن شَهْر بن حَوْشب قال: قلت لأم سلمة: يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه (( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) )، قالت: فقلت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك (( يا مقلب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك ) )، قال صلى الله عليه وسلم: (( يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ ) )، فتلا معاذٌ: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8] [1] .
وعن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثِر أن يقول: (( اللهم يا مقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك ) ) [2] .
وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (( اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك - لا إله إلا أنت - أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون ) ) [3] .
قال الرازي:"واعلم أن هذا الدعاء من بقية كلام الراسخين في العلم؛ وذلك لأنهم لما طلبوا من الله تعالى أن يصونهم عن الزيغ، وأن يخصَّهم بالهداية والرحمة، فكأنهم قالوا: ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا، فإنها منقضية منقرضة، وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة، فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامعُ الناسِ للجزاء في يوم القيامة، ونعلم أن وعدَك لا يكون خلفًا، وكلامك لا يكون كذبًا، فمَن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد، ومَن أعطيته التوفيق والهداية والرحمة، وجعلته من المؤمنين بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد، فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء ما يتعلق بالآخرة" [4] .
(1) رواه الترمذي، ج 11 ص 428 رقم 3444، وصححه الألباني: صحيح الترمذي، ج 3 ص 171 رقم 2792
(2) رواه البخاري في الأدب المفرد ج 1 ص 237 رقم 683، وصححه الألباني: صحيح الترمذي ج 3 ص 171 رقم 2792.
(3) رواه مسلم 13 ص 246 رقم 4894.
(4) التفسير الكبير مفاتيح الغيب للفخر الرازي ج 4 ص 121.