الصورة الثالثة: الرباط على نية الجهاد في سبيل الله، و (تهديد الذين كفروا) (10 - 13) :
فضلًا عما تقدَّم لا بد - كذلك - من الإعداد للجهاد، وتهديد الكافرين الصادين عن سبيل الله، وبث الرعب في قلوبهم للذود عن هذا الدين، وإحباط محاولاتهم الفاشلة في حشد أهلهم وأموالهم ضد المسلمين، فكان من المناسب أن تشير السورةُ إلى أن الصراع الذي ظهر بين أهل الحق والباطل، وإن ظهر اليوم في غزوة أُحُد، فإنه كذلك قد ظهر في الماضي في عهد فرعون ومَن قبله، وسوف يظهر غدًا وبعد غد، وإن دأبوا جميعًا على حشد أموالهم وأولادهم لمحاربة المسلمين والصد عن سبيل الله.
فالذين كفروا يجمعون أموالهم وأولادهم ليؤذوا الذين آمنوا، والله تعالى يُبشِّر الذين آمنوا بأن ما يجمعه الذين كفروا لن ينفعَهم، ولن يغنيهم، سواء في الدنيا ولا في الآخرة، ففي الآخرة أمره معروف.
وهو ما قاله الرازي؛ إذ قال:
(المرء عند الخطوب والنوائب في الدنيا يفزع إلى المال والولد، فهما أقرب الأمور التي يفزع المرء إليها في دفع الخطوب، فبيَّن الله تعالى أن صفةَ ذلك اليوم مخالفةٌ لصفة الدنيا؛ لأن أقرب الطرق إلى دفع المضارِّ إذا لم يتأتَّ في ذلك اليوم، فما عداه بالتعذر أولى) [1] .
وأما في الدنيا، فالتاريخ خير شاهد على ذلك، فلم يجمع أحد من البشر جندًا وأموالًا وسلطانًا كما جمع فرعون وآله، وكان من قبلهم قوم عاد وثمود ومَن على شاكلتهم، فقد أتعبوا أنفسهم في الحشد لموسى والمستضعفين معه من المؤمنين، ودأبوا على العمل في محاربة الإسلام والمسلمين، وكانوا يواصلون الليل والنهار للقضاء على موسى وأتباعه، فلما كذَّبوا بآيات الله أخذهم الله بذنوبهم، إذًا المسألة بسيطة وواضحة، فإذا اجتمع الكفر وحشدوا ضد الإسلام، فإن النتيجة المحتمة هي الهزيمة الساحقة، وسوف يكونون آية لمن خلفهم وعبرة لمن يعتبر.
ولذلك تُؤكِّد السورة على أنه رغم هزيمة المسلمين في أُحُد، فإن الكافرين سوف يُغلَبون بعد ذلك، قال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 12] ، لا لشيء إلا لأن المسلمين مرابطون في سبيل الله، فالرباط في سبيل الله تعالى هو أحد صور الجهاد والاستعداد له وقت السلم؛ بحيث يظل المرابط متأهبًا للجهاد في سبيل الله، متخففًا من الدنيا، غير منشغل بها، ويتحين الفرصة لأن ينادي المنادي: حي على الجهاد، وليس المرابط هو المثقل بالديون، أو المشغول بالتجارات - وإن كانت من فضل الله تعالى، وأحلَّها الله للمؤمنين، وجعلها من الطيبات - ولا المتعسر بالنساء والزوجات والأولاد، فكل ذلك يثقل
(1) الفخر الرازي ج 4 ص 123.