فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 177

حركة المجاهد، فلا يقدر إلا أن يأتي أهله، أو يعمر داره، ويستطيب ثمار زرعه، تاركًا وراءه ثوابًا عظيمًا خصَّه الله تعالى لعباده المرابطين.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( رِباطُ يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضعُ سوطِ أحدكم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها ) ) [1] .

فالرباط هو مراقبة العدو في الثغور المتاخِمة لبلاده؛ أي: ملازمة المحل الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين [2] .

قال القرطبي: هو الإقامة في ثغر من ثغور الإسلام حارسًا له من العدو، وإن مات [3] .

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَن مات ولم يغزُ ولم يُحدِّث به نفسه مات على شعبة من نفاق ) ) [4] .

والمراد أن مَن فعل هذا، فقد أشبه المنافقين المتخلِّفين عن الجهاد في هذا الوصف وإن لم يكن كافرًا [5] ، فكان من الواجب أن يستصحب المسلم نية الجهاد، وذلك ظاهر في قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ} ، فالنبي صلى الله عليه وسلم ومَن تبِعه مُطالَبون بأن يُظهِروا نيَّتهم للذين كفروا، ويُعلِنوا لهم أنهم سوف يقاتلونهم ويغلبونهم بإذن الله، وهي نية مُعلَنة لا لكل الكافرين، وإنما لمن زاغت أبصارهم عن العهد مع المسلمين، ولمن انقلبوا على أعقابهم فودُّوا الكافرين من دون المؤمنين.

قال الشعراوي:

"إنه بلاغ إلى كفار قريش، والغلب سيكون في الدنيا، والحشر يكون في الآخرة، فإذا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل النص القرآني {سَتُغْلَبُونَ} ، فمتى قالها رسول الله؟"

لقد قالها والمسلمون قلة لا يستطيعون حماية أنفسهم، ولا يقدرون على شيء، كل مؤمن يحيا في كنف آخر، أو يهاجر إلى مكان بعيد، فهل يمكن أن يأتي هذا البلاغ إلا ممن يملك مطلق الأسباب؟

لقد قالها الرسول مبلغًا عن الله، والمسلمون في حالة من الضعف واضحة، وما دام قد قالها، فهي حجَّة عليه؛ لأن مَن أبلغه إياها وهو الله قادر على أن يفعلها {قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ} " [6] ."

(1) رواه البخاري ج 10 ص 19 رقم 2678.

(2) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج 2 ص 53.

(3) الديباج على مسلم ج 4 ص 506.

(4) رواه مسلم ج 10 ص 19 رقم 3533.

(5) شرح السيوطي على مسلم ج 4 ص 503

(6) تفسير الشعراوي ج 1 ص 836

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت