هل يقف المسلمون مكتوفي الأيدي، أم يعلمونهم أنهم أقدر على مجادلتهم بالحسنى ورد شبهاتهم؟
وليعلنوها صراحة بالشروع في الابتهال لله تعالى بأن تنزل لعنة الله على الكاذبين، وكأنه شرط جزائي للدخول في مجادلة لا طائل منها غير إضاعة الوقت وتشتيت الجهد.
فالمباهلة نوع من المكاشفة للنفس لتصارح ذاتها، هل ترضى هذا الدين لنفسها ولأبنائها ولزوجاته أو زوجها ... إلخ؟!
فهي نوع من إعادة التفكير في الأمر باعتبار المصلحة، هل نرضى لأهلينا أن تنزل عليهم لعنة الله تعالى، فإذا كان هناك ما يشغلنا - نحن أهل الكتاب - عن الجنة ويعطلنا عن نطق الشهادتين؟!
وإذا كنا نكابر عن أن ندخل في الإسلام، أفلا يظل عنادنا مانعًا لأولادنا أن ينجوا بأنفسهم مع محمد صلى الله عليه وسلم ولا يصيروا مصيرنا؟
ونحن نعلم - نحن اليهود أو النصارى، أو أهل الشرك - أن ديننا باطل، فها هو رسول الله يُفكِّر معهم بحيادية فيدعوهم لأن تنزل اللعنة عليه وعلى أولاده وزوجاته إن كان كاذبًا، أو أن تنزل عليهم وعلى أولادهم وأزواجهم إذا أصرُّوا على ما هم عليه من الكفر.
فعن سعد بن أبي وقاص قال: لَمَّا نزلت هذه الآية: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} [آل عمران: 61] ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا وفاطمةَ وحسنًا وحسينًا، فقال: (( اللهم هؤلاء أهلي ) ) [1] .
فهو محض تحدٍّ لإظهار الثقة بأنهم على الحق، وإظهار للشفقة على أولاد الكفار وأزواجهم أن يصير مصيرُهم مثل مصير آبائهم، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يريد من أهل الكتاب أن يقل العناد عندهم لأجل أبنائهم، كما حدث مع والدَي خادمِه اليهودي، فعن أنس رضي الله عنه قال: كان غلامٌ يهودي يخدمُ النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: (( أسلِمْ ) )، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطِعْ أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (( الحمد لله الذي أنقذه من النار ) ) [2] .
وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف؛ إذ كيف ينتشر بالسيف وهو يدعوهم للمباهلة؟!
يقول ابن القيم الجوزية:
(1) رواه مسلم ج 12 ص 129 رقم 4420.
(2) رواه البخاري ج 5 ص 141 رقم 1268.