فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 177

المسألة هو أوَّل طريقٍ للوصول إلى الحق، ودليل على عدم الكبر في اتباع الحق لو قامت الحجة والبينة عليه، وعدمُ الاكتراث لهذا الأمر من أوَّل علامات الشروع في الصد عن سبيل الله، ولذلك أرسل النبي صلى الله عليه وسلم خطابَه لهرقل ملكِ الروم وقال فيه: (( بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبدالله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على مَن اتَّبع الهدى أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلِمْ تسلَمْ يُؤتِك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأَرِيسيِّين، و {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] [1] .

ولقد أصرَّت حاشية ملك الروم من الوزراء والبطارقة على الرفض لدعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم السلمية، وأصرُّوا على إعلان الحرب على المسلمين، فبدؤوا يُحرِّضون القبائل العربية في العراق والشام على حرب المسلمين والنبي صلى الله عليه وسلم، وعلم المسلمون بإصرار الروم على الحرب، فبدؤوا يستعدُّون لهذا اليوم، غير أن الفتن الداخلية شغلت كسرى وهرقل عن الهجوم لفترة من الوقت [2] .

وقد أوَّل بعض الكتَّاب (الكلمة السواء) في الآية إلى أنها:

"فعل الصالحات النافعات للبشرية، ومواجهة الطغيان، وتحقيق معرفة كل طرف بالآخر".

وهذا تأويل بعيدٌ عن معنى الآية ودلالتها، فالمتأمِّل في الآية يدرك أن كلمة السواء مفسَّرة وليست مطلقة، بحيث يتصور القارئ ما شاء في تحديدها [3] ، والظاهر أنه يقصد بهذه الدعوة التأكيد على أن"القرآن ليس دعوة إلى دين جديد، وليس محاربةً للمسيحية أو مناهضة لها، وإنما ما عُرِف بالمسيحية قبل بعث محمد عليه السلام هو من الإسلام، فالإسلام قبل محمد إنما هو دعوة المسيح الحقيقية إلى عبادة الله الواحد الأحد الذي لا إله إلا هو، والإيمان بالإنجيل المنَزَّل من الله سبحانه وتعالى على المسيح عليه السلام، ولذلك أوضح القرآن بحقٍّ أن أهم ما يأخذه على المسيحية كما عُرِفت بعد المسيح عليه السلام، هو تأليهُ المسيحيين للمسيح، واتخاذهم له إلهًا من دون الله، مناقضين بذلك قضية الدين عند الله ذاتها" [4] .

ومن هنا كان التوحيد أوَّل ما يدعو إليه الإسلام أهل الكتاب {أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} ، فإذا لم نتَّفِق على هذه الكلمة، فليس ثَمَّة معنى لأن نتفق بعد ذلك في أي أمر من أمور الاعتقاد أو العبادة، فقد انهدم أساس كل اتفاق

(1) رواه البخاري ج 1 ص 8 رقم 6.

(2) أبو بكر: الإسلام وخرافة السيف ج 1 ص 9.

(3) عبدالرحيم بن صمايل السلمي - الحوار بين الأديان ج 1 ص 19.

(4) القاضي منصور حسين عبدالعزيز: دعوة الحق بين المسيحية والإسلام ج 2 ص 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت