أو تقارب مُزمَع طالما كان الشرك بالله تعالى هو أساسَ عبادتهم لله، ولذلك أردفها المولى بقوله: {وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} .
قال ابن جُرَيج في قوله تعالى: {وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ؛ يعني: (يطيع بعضنا بعضًا في معصية الله) [1] .
وعن عَدِي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليبٌ من ذهب، قال: فسمعته يقول: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] ، قال: قلت: يا رسول الله، إنهم لم يكونوا يعبدونهم، قال: (( أجل، ولكن يُحلُّون لهم ما حرَّم الله فيستحلونه، ويُحرِّمون عليهم ما أحل الله فيُحرِّمونه فتلك عبادتهم لهم ) ) [2] .
من هنا يتبيَّن أن أساس العبودية لغير الله تعالى هو الاحتكام لغيره والتشريع بخلاف حكمه، فمَن احتكم للبشر ولم يحتكم لله، ومَن انصاع لقوانين البشر ولم ينصَع لحكم الله، فقد عبد من دون الله، ولم يعبدِ الله وإن زعم حبه واتباعه وتدينه بدين الله.
وبالرغم من أن الأصل في الدعوة أن تكون بالحسنى، وأن المباهلة هي أمر يطرأ عليها، وأن المجادلة تكون بالتي هي أحسن، فإنه عودٌ على ذي بَدْء يتبرأ المسلمون منهم حالما يتولَّى أهل الكتاب عنهم، لتكون المفاصلة بين الفريقين، وليهتم المسلمون حينئذٍ بأمر واحد، ألا وهو إقرار أهل الكتاب بأن المسلمون على دينهم ليظل هذا الإقرار شهادة عليهم أن المسلمين - سواء الذي يصاحبون النبي صلى الله عليه وسلم أو الذين أسلموا من أهل الكتاب - مُؤمَّنون في دينهم وأوطانهم، ولا يعتدي عليهم أحدٌ من أهل الكتاب أو المشركين، قال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] ، قال الطبري: (فقولوا أيها المؤمنون للمتولِّين عن ذلك: {اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ) [3] .
قال الرازي: (يعني أظهروا أنكم على هذا الدين) [4] .
من ذلك نفهم أن دعوة الإسلام كلها مكاسب ومصالح، تتحقَّق لأجل حماية الأوطان، فإن لم يتحقَّق منها دخول أهل الكتاب في الإسلام، فإن أقل ما يتحقق منها أن يعيش المسلمون في أمنٍ وأمان على دينهم وأنفسهم
(1) تفسير ابن كثير ج 2 ص 56
(2) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج 10 ص 116 رقم 20847، ورواه الترمذي ج 10 ص 361 رقم 3020 وحسنه الألباني: صحيح وضعيف الترمذي ج 7 ص 95 رقم 3095.
(3) تفسير الطبري ج 6 ص 483.
(4) مفاتيح الغيب ج 4 ص 247.