وأموالهم، وأهل الكتاب بينهم، أو وهم بين أهل الكتاب؛ وذلك لأجل إلزام المسلمين العمل على أن ينزعوا اعترافًا من أهل الكتاب حتى لو استقلُّوا بدولتهم عن دولة الإسلام بأننا مسلمون، ومن حق المسلم أن يُمارِس شعائره الإسلامية كاملةً في ظهور وأمان دون أن يعترضه أحد، فمن حق المسلم أن يصلي لله تعالى في غير بلاد المسلمين، ومن حق المرأة المسلمة أن تظهَرَ بحجابها في غير بلاد المسلمين، ومن حقهما معًا أن يدعوَا غيرَهما للإسلام ولو في غير بلاد المسلمين، ولا يمنعهم أحد عن ذكر الله ولا يصدهم عن سبيل الله، فإن التزموا هذا الحق، فقد التزموا العهد مع المسلمين.
ولذلك لَمَّا بعث النبي صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بَلْتَعة إلى المقوقس ملكِ مصر برسالته، فلما أتاه كان فيما قال له: (إنَّ هذا النبي دعا الناسَ، فكان أشدَّهم عليه قريشٌ، وأعداهم له اليهودُ، وأقربَهم منه النصارى، ولعَمْري ما بِشارةُ موسى بعيسى إلا كبِشارةِ عيسى بمحمد، وما دعاؤُنا إيَّاك إلى القرآن إلا كدُعائك أهلَ التوارةِ إلى الإنجيلِ، وكل نبي أدرك قومًا فهم من أمته، فالحقُّ عليهم أن يُطيعوه، وأنتَ ممن أدركه هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دينِ المسيح، ولكنَّا نأمُرك به) ، فقال المقوقِسُ: إني قد نظرتُ في أمر هذا النبي، فوجدتُه لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهَى عن مرغوبٍ فيه، ولم أجده بالساحِرِ الضَّالِ، ولا الكَاهِنِ الكَاذِب، ووجدتُ معه آيةَ النبوةِ بإخراج الخَبءِ، والإخبار بالنَّجوى، وسأنظر، وأخذ كتابَ النبي صلى الله عليه وسلم، فجعله في حُقٍّ من عاجٍ، وختم عليه، ودفعه إلى جارية له، ثم دعا كاتبًا له يكتبُ بالعربية، فكتبَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم:"بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد بن عبدالله، من المقوقس عظيم القبطِ، سلامٌ عليك، أما بعد: فقد قرأتُ كتابَك، وفهمتُ ما ذكرتَ فيه، وما تدعو إليه، وقد علمتُ أن نبيًّا بقي، وكنتُ أظن أنه يخرجُ بالشام، وقد أكرمتُ رسولَك، وبعثتُ إليك بجاريتينِ لهما مكانٌ في القبطِ عظيمٌ، وبِكسوة، وأهديتُ إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك"، ولم يزد على هذا، ولم يُسلِم [1] ، والجاريتان: مارية وسيرين، وقد أسلمَتا في الطريق [2] .
ولعل المنهج الذي اتبعه النبي صلى الله عليه وسلم مع ملك مصر كان توطئة لدخول مصر بعد ذلك في الإسلام صلحًا دون حاجة لقتال؛ حيث استجاب ملك مصر للصلح، لثقتِه في أخلاق المسلمين من جهة، ولعلمه قوتهم وشدتهم من جهة أخرى؛ إذ لم يمتنع الخليفتان أبو بكر وعمر عن إرسال رسلهما لمَلِك مصر يدعوانه للإسلام،
(1) ابن القيم الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد ج 3 ص 692 - معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني ج 5 ص 415 رقم 1757، [كنز العمال 30308] ، ذكره الحافظ في الإصابة 1/ 520، وعزاه للبيهقي في الدلائل، جامع الأحاديث للسيوطي ج 34 رقم 232.
(2) البداية النهاية لابن كثير ج 4 ص 269.