صدقتَ، قال: (( فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألت عنه؟ ) )، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرَفتَ كذبنا، كما عرفته في أبينا، فقال لهم: (( مَن أهل النار ) )، قالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا ) )، ثم قال: (( هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ ) )، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: (( هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟ ) )، قالوا: نعم، قال: (( ما حملكم على ذلك؟ ) )، قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح، وإن كنت نبيًّا لم يضرَّك [1] .
وللتدليل على استمرار الدعوة حتى في ظل أحلك الظروف أن الدولة الإسلامية لَمَّا هاجمها التتار وقتلوا من المسلمين ما قتلوا، ودمروا ما دمروا، لم يقف ذلك دون بلوغ دعوة الإسلام إلى ملوكهم وإسلامهم وإسلام أتباعهم.
قال ابن كثير:
"ولَمَّا تملك قازان على التتار أسلم وأظهر الإسلام على يد الأمير نوزون رحمه الله، ودخلت التتار أو أكثرهم في الإسلام، وفي بعض التواريخ: أن إسلام قازان كان على يد الشيخ صدر الدين ابن حمويه الجويني [2] ، وكان أول مَن أسلم من ملوك التتار وسلاطينهم أبو المعالي ناصر الدين بركة خان بن جوجي بن جنكيز خان التتاري الشهير، وهو أول مَن أسلم من أبناء جنكيزخان، وكان إسلامه عند عودته من عاصمة التتار قره قورم [3] ، وجلس بركة خان في كرسى المملكة، وبركة خان هذا هو ابن باطوخان بن دوشى خان بن جنكزخان، وهو ابن عم هولاكو، وكان يحب العلماء والصالحين، ومن أكبر حسناته كسره لهولاكو وتفريق جنوده [4] ."
ولَمَّا ملك البلاد أسلم وحسن إسلامه، وأقام منار الدين، وأظهر شعائر المسلمين، وأكرم الفقهاء والعلماء، وأدناهم، وأبرَّهم، ووصلهم، واتخذ المساجد والمدارس بنواحي مملكته، وأخذ بالإسلام جُلَّ عشيرته، ونفذ أمرُه، وامتدَّت أيامهُ، وكان السبب في إسلام بركة خان أن الشيخ نجم الدين الكبراء كان قد ظهر صيتهُ وارتفع ذكرهُ، ففرَّق مُرِيديه إلى المدن العظام، ليظهروا بها شعائر الإسلام، وأرسل سيف الدين الباخرزي إلى بخارى، فلما استقر الباخرزي ببخارى أرسل تلميذًا له كبير المحل عنده إلى بركة خان، فاجتمع به ووعظه، وحبب إليه الإسلام، وأوضح له منهاجه، فأسلم على يده، واستمال بركة خان عامة أصحابه إلى الإسلام [5] .
(1) رواه البخاري ج 10 ص 428 رقم 2933.
(2) بدر الدين العيني - عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان ج 1 ص 287.
(3) الدكتور راغب السرجاني حكاية التتار، وكذلك وفاة الملك التتاري بركة خان http://www.islammemo.cc/zakera/methl-haza-elyawm/2012/03/08/145519.html#2
(4) البداية والنهاية لابن كثير ج 13 ص.289
(5) عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان ج 1 ص 19 - 20.