جاء بفعل (يقتلون) بصيغة المضارع، لبيان أن يهود اليوم كيهود البارحة، يقلدون أسلافهم في طريقة صدهم عن سبيل الله تعالى، ولو تمكنوا لفعلوا مثل ما فعل أسلافهم، وقد تكررت محاولاتهم لقتل النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه [1] ؛ ذلك أن النبوة كانت تجمع بين الهداية الدينية والسياسة الدنيوية، فكان النبي يسوس قومه، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون ) )، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: (( فُوا ببيعةِ الأول فالأول، أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم ) ) [2] .
ولذلك انقلب بنو إسرائيل على أنبيائهم وقتلوهم لأجل أن يتخلصوا من سياستهم لهم، فلم يكن بدٌ لصدهم عن سبيل الله تعالى إلا بالقتل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتل نبيًّا ) ) [3] .
ولا شك أنه حينما قُتل الأنبياء انقلبت الريادة والقيادة والسياسة، فأضحت لهؤلاء القتلة دون المؤمنين وأتباع الأنبياء، وهو الأمر الذي يثير الخيال عن حال المؤمنين في تلك اللحظات الصعبة التي يظهر فيها الذين كفروا، وقد نُزِع المُلْك من أنبيائهم، واستحل الظالمون دماءهم ودماء أتباعهم من الذين يأمرون بالقسط من الناس.
فقوله تعالى: {يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} ، يدل على أنه بالرغم من ذلك فإن المرابطين في سبيل الله لا يزالون يدعون أهل الكتاب للإيمان بالله تعالى، لتظل الدعوة للإسلام بطرقها المباشرة قائمة ومستمرة حتى في أحلك الظروف وأشدها تضييقا وانقلابا على المؤمنين.
ولم يدفع أهل الكتاب لأن ينقلبوا على أنبيائهم إلا استخفافُهم بعذاب الله، واستهانتهم بأمر هذا الدين، وكأنهم يقولون: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات، وذاك هو سبب انقلابهم على أنبيائهم وعلى المرابطين على كلمة الحق الناصرين لدعوة الأنبياء المرسلين؛ حيث هان عندهم عذاب الله وصَغُر، وعظُمت عندهم الدنيا وكبُرت في أعينهم، وما عدا ذلك من أسباب يتذرَّعون بها فليست كذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لَمَّا فُتِحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( اجمعوا إليَّ مَن كان ها هنا من يهود ) )، فجمعوا له، فقال: (( إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه؟ ) )، فقالوا نعم، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَن أبوكم؟ ) )، قالوا: فلان، فقال: (( كذبتم، بل أبوكم فلان ) )، قالوا:
(1) التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم ج 1 ص 441، مجموعة علماء الشارقة، بإشراف الدكتور مصطفى مسلم - نقلًا عن البحر المحيط ج 2 ص 429، والتحرير والتنوير لابن عاشور ج 3 ص 62.
(2) رواه البخاري ج 11 ص 271 رقم 3196
(3) رواه أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الكبير، ج 10 ص 211 رقم 10519، وحسنه الألباني ج 1 ص 101 رقم 1002.