هداهم كافٍ لأن يجتهدوا في الطريق ويحسنوا إسلامهم ويتعلموا تعاليمه وأخلاقه وآدابه، فإن لم يكن لهم جهد في ذلك فيجب التمهل عليهم، لا المسارعة في تعليمهم وإشعارهم بأنهم منذ اللحظة التي دخلوا فيها الإسلام مطالبون بكافة تشريعاته وتكاليفه الشرعية، فينفضُّوا عن الإسلام وينقلبوا عليه لما يتعذر عليهم التخلق بأخلاقه جملة واحدة، وكانوا البارحة على الكفر والفسوق وأخلاق الجاهلية.
قال العلماء: (من اعتبار المصلحة مع المسلم الجديد ألا يُحدَّث بما يصده عن الإسلام، فبعض القائمين بالدعوة قد يصدون عن الإسلام دون أن يشعروا، كأن يبادر بإخباره عن أحكامه مع زوجته، أو التبرؤ من والديه، أو يبدأ معه الحديث عن الختان، أو ربما بدأ معه الحديث عن حكم التدخين ووجوب الإقلاع عنه فور إسلامه، فنطقه بكلمة التوحيد يحصل منه خير كثير حتى ولو صار مسلمًا عاصيًا، فهو خير من أن يبقى على الكفر) [1] .
فعن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، قال: (( يسِّرا ولا تعسِّرا وبشِّرا ولا تنفِّرا وتطاوعا ولا تختلفا ) ) [2] .
قال العلماء: (فلم يكتفِ بالتيسير والتبشير والتطاوع، بل ضم إليها النهي عن ضدِّ ذلك، وهو التعسير والتنفير والاختلاف، فليس من حكمة الداعية أن يضع الدين كله جملة واحدة أمامَ المدعو لئلا يشق عليه، وهذا هو الذي يتَّفق مع التيسير في الدعوة، والتبشير بها، وعدم التنفير عنها، إن تكليف المسلم الجديد بما لا يُطِيق وعدم مراعاة التدرج في دعوته، قد يكون سببًا في رجوعه عن الإسلام أو ضعف تمسكه به، وفيه تنفير له عن قبول واجبات الإسلام) [3] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يُبلِّغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يُلقَّن جميع شرائعه ويُؤمَر بها كلها، وكذلك التائب من الذنوب، والمتعلم والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يُطقْه لم يكن واجبًا عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجبًا لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداءً، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات؛ لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا
(1) عبدالله بن إبراهيم اللحيان - التيسير في دعوة المسلمين الجدد.
(2) رواه البخاري ج 10 ص 242 رقم 2811.
(3) عبدالله بن إبراهيم اللحيان - التدرج في دعوة المسلم الجديد.