وابتلاء لهم، ذلك أنه لم يكن ببدرٍ منافقٌ؛ لأنها كانت أول غزوة للمسلمين، فلم يَغْزُ فيها مع النبي صلى الله عليه وسلم غير الصادقين من أصحابه، بينما في أُحُدٍ سارع كثيرٌ من المنافقين للمَغْنَم، بل ورجع عبدالله بن أُبَي بن سلول وانخزل بثلث الجيش [1] .
ومن هنا بدا أول ظهورٍ للعَلاقة السياسية والعسكرية - أو المخابراتية - بين المنافقين وأهل الكتاب من جهة، والمنافقين والمشركين من جهة أخرى، والرسول صلى الله عليه وسلم يُربِّي المسلمين، ويُعِيد ترتيب البيت من الداخل، ويُهيِّئ الأجواء والنفوس لاستقبال مرحلة صعبةٍ من أصعب مراحل الدعوة؛ حيث يتعرَّض المسلمين لغزوٍ فكريٍّ من أهل الكتاب، وتثبيطٍ للهمم من المنافقين، ومبارزاتٍ عسكرية من القبائل المجاورة، ومؤامرات من الداخل والخارج، وليس أدلَّ على ذلك من غدر بني لحيان بسبعين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في غداةٍ واحدة، وكانوا يُعلِّمون الناس القرآن وسُمُّوا لأجل ذلك بالقرَّاء.
فعن أنس رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سبعين رجلًا لحاجة، يقال لهم القراء - قال أنس: كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويُصلُّون بالليل [2] - فعرض لهم حيَّانِ من بني سليم رِعْل وذكوان عند بئرٍ يقال لها بئر مَعُونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا إنما نحن مجتازون في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم فقتلوهم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم شهرًا في صلاة الغداة [3] .
كما غُدِر بالصحابة مرة أخرى بعد أحدٍ في الرَّجيع، يقول ابن كثير: (قدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أُحُدٍ رهطٌ من عَضَل والقارَة، فقالوا يا رسول الله، إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يُفقِّهُوننا في الدين، ويُقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم نفرًا ستة من أصحابه [4] ، قال البخاري:(بعث النبي صلى الله عليه وسلم سريَّة عينًا، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، فانطلقوا حتى إذا كان بين عُسْفان ومكة ذُكِروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لِحْيَان فتبِعوهم بقريبٍ من مائة رامٍ، فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلًا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة فقالوا هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم) [5] ، وقتلوهم، وقتلوا عاصم بن ثابت.
ومن الجدير أن نذكر كلمات قالها خُبَيب بن عَدِي لَمَّا حانت ساعة الغدر به ومقتله:
(1) مصنف عبدالرزاق ج 5 ص 363 رقم 9735.
(2) رواه البخاري ج 12 ص 493 رقم 4781.
(3) رواه البخاري ج 12 ص 491 رقم 3779.
(4) البداية والنهاية لابن كثير ج 4 ص 74.
(5) رواه البخاري ج 12 ص 489 رقم 3777.