ولستُ أبالي حين أُقتَل مسلمًا = على أي شقٍّ كان لله مصرعي
وذلك في ذاتِ الإله وإن يشأ = يُبارِكْ على أوصالِ شلوٍّ مُمَزَّعِ [1]
حيث يصعب وصف هذه الفترة إلا القول بأنها من أحلك الفترات وأشدها خطرًا على الدعوة الإسلامية، وليس أدلَّ على ذلك من استطاعة الكفار أن يحشدوا بعد أُحُدٍ كلَّ ما استطاعوا من الأحزاب لاستئصال شأفةِ النبي صلى الله عليه وسلم في العام الخامس من الهجرة، وإذ كانت (أُحدٌ) في العام الثالث من الهجرة، فإنه يفصِلُها عن الأحزاب عامان تقريبًا، خلالهما كان لا بد من ثبات المسلمين وتجرُّدهم من الدنيا، وتأهيلهم معنويُّا ليُجابِهوا المشركين، بل وأهل الكتاب في جولات وصولات، منها فكرية وأخرى جسدية.
وتجدر الإشارة إلى أن سورة آل عمران هي المتمِّمة لسورة البقرة، كاكتمال المنهج بالتطبيق، ولذلك سُمِّيَتا بالزهراوين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (( اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوينِ البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فِرْقانِ من طيرٍ صوافَّ تُحاجَّانِ عن أصحابهما ) ) [2] ؛ إذ عُنِيَت بما عُنِيَت به سورة البقرة، وكأن محاورهما واحدة، بَيْدَ أنها تطرَّقت لما تطرقت إليه سورة البقرة بأسلوبٍ جديد، ومن زوايا مختلفة، وهذه السورة لا تتحدث عن واقعة بعينها - وإن نزلت بعد أُحُدٍ لتهوِّنَ على المسلمين ما هم فيه - ولكنها تتحدَّث عن واقع حدث ويحدث وسوف يحدث، ولذلك حكت عن مجادلة أهل الكتاب من النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم، وأيًّا كان مسمى هذا الوفد أو ساعة مقدمِه للنبي صلى الله عليه وسلم - سواء أكان وفد نجران أو غيره - فإن مجادلات أهل الكتاب لا تنحصرُ في وفدٍ دون غيره، فلا يُنكِر أحدٌ كثرةَ الوفودِ على النبي صلى الله عليه وسلم من القبائل المجاورة، سيما من الأنصار، أو من المشركين، أو من النصارى واليهود، ومن ثَمَّ عُنِيَت السورة بما حصل في شأن مجادلتهم، أو سوف يحصل.
يقول ابن كثير: (قدِم وفد نجران منهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا يذكرون ما هم عليه من الباطل من التثليث في الأقانيم، ويدعون بزعمهم أن الله ثالث ثلاثة، وهم الذات المقدسة، وعيسى، ومريم، على اختلاف فرقهم، فأنزل الله عز وجل صدر هذه السورة بين فيها أن عيسى عبد من عباد الله خلقه وصوَّره في الرحم، كما صوَّر غيره من المخلوقات، وأنه خلقه من غير أبٍ، كما خلق آدم من غير أب ولا أمٍّ، وقال له:
(1) رواه البخاري ج 12 ص 489 رقم 3777.
(2) رواه مسلم ج 4 ص 231 رقم 1337.