الربوبية لغير الله تعالى، سواء في التشريع أو الحكم أو العقائد والرسالات، فوضعوا تنظيمًا كهنوتيًّا يضمن لهم صعوبة الخروج عن ملتهم، فالكهنوت هو إشراك للبشر في أعمال الله، وأن الكاهن يستمد سلطانه من سلطان إله النصارى الذي يكون بين يدي الكاهن على المذبح؛ لأن الكاهن في النصرانية أفضل من الأنبياء والرسل عليهم السلام، وهو الوسيط بين إله النصارى وشعب الكنيسة في طلباتهم، والكهنة هم مصدر التشريع، وذلك في ظل غياب النصوص الشرعية في النصرانية المحرفة، فكل ذلك يجعل لدى الكهنة سلطة مطلقة منَحُوها لأنفسهم بتحريفهم للإنجيل [1] .
وتختلف كل كنيسة - فرقة - عن الأخرى في التنظيم الكهنوتي، ولكنه بوجه عامٍّ هو تنظيمٌ استعارته الكنيسة في عهودها الأولى من الرومان؛ حيث كان يرأسها أكبرهم سنًّا على أملِ عودة المسيح، ويقدسون رهبانهم ورجال كنيستهم، ويجعلون لهم السلطة المطلقة في الدين وفي منح صكوك الغفران [2] .
قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] ، فالكهنوتية تدعي لأصحابها الحق الإلهي ليس في تفسير الدين دون ضوابط وحسب، بل في الإضافة عليه، والانتقاص منه، والحذف والتبديل [3] .
وليس أدل على ذلك من تعديلهم لأحكام الزواج والطلاق بمراسيم كنسية بكل يسر وسهولة، فيقتصر الأمر على أحوالهم الشخصية لخلو كتبهم من شريعة كاملة تتطرق لجوانب الحياة المدنية أو أي أمر مادي ملموس؛ حيث يفصلون الدين عن الدولة، ويقصرون دائرة الدين في الكنيسة، ولا يتطرق إلى ما يجاوز حدودها وأسوارها إلا في مجال الزواج والطلاق فحسب.
من هنا بكَّتهم القرآن ووبَّخهم بعد أن فضح منهجهم وفساد عقيدتهم بقوله تعالى: {أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80] ، وبذلك يجمع الإسلام في دعوتهم بين الحوار الجدلي من جهة، والسبر عن
(1) سر الكهنوت: سلطة مطلقة وإشراك للبشر مع الله ج:2
(2) التنظيم الكهنوتي - موسوعة الملل والأديان -
الدرر السنية: إشراف عام: علوي بن عبدالقادر بن محمد بن هادي السقََّاف.
(3) محمد بن إبراهيم السعيدي - الفتوى والكهنوت: