كلمة باطل عند سلطان عادل، وهذه خطيرة؛ لأنك قد تفتن السلطان العادل بكلمتك بما تزينه له من الزخارف.
كلمة الحق عند سلطان جائر وهذه أفضل الجهاد.
كلمة باطل عند سلطان جائر، وهذه أقبح ما يكون.
فهذه أقسام أربعة، لكن أفضلها كلمة الحق عند السلطان) [1] .
ولنا أن نضيف إلى ذلك قسمًا خامسًا، وهو أخطر من ذلك كله، وهم الذين يُزيِّنون للحاكم العادل الباطل، أو يضلونه عن الحق، وهذا ما يفعله أهل الكتاب وأتباعهم، ولا يشترط أن يفعلوه بأنفسهم، وإنما يستخدمون أتباعهم في الغالب ليفعلوا لهم ذلك؛ حيث يلبسون الحق بالباطل، فيقع الحاكم العادل في شر فتواهم واستشارته لهم دون أن يدري، وإذا أراد أن يصحح الأمر لم يتمكن من ذلك بعد أن غرق فيه؛ لأنه حينئذٍ يكون قد اكتوى بنار المشركين، بالرغم من أنه كان ينتوي الاستضاءة بها [2] .
قال السيوطي: (أراد بالنار هنا الرأي؛ أي: لا تشاوروهم، فجعل الرأي مثل الضوء عند الحيرة) [3] .
قال القرطبي: نهى الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار، واليهود، وأهل الأهواء، دُخَلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم.
وقال إلكيا الهراسي:
في الآية دلالة على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في شيء من أمور المسلمين.
وذكر ابن كثير في تفسيره: قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن هاهنا غلامًا من أهل الحيرة نصرانيًّا كاتبًا، فلو اتخذته كاتبًا، فقال: قد اتخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين.
عقب ابن كثير على هذا الأثر بقوله: ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليلٌ على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين، واطلاع على دواخل أمورهم التي يُخشَى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب، ولهذا قال تعالى: {لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} ، واستدلوا لذلك أيضًا بالقول المأثور: (لا تستضيئوا بنار المشركين) ؛ أي: لا تستنصحوهم، ولا تستضيئوا برأيهم.
(1) الشيخ /محمد بن صالح بن محمد العثيمين - شرح رياض الصالحين ج 1 ص 227.
(2) شرح السير الكبير للسرخسي ج 4 ص 101 - حسن السلوك الحافظ دولة الملوك ج 1 ص 168 لمؤلفه محمد بن محمد بن عبدالكريم الموصلي.
(3) شرح السيوطي لسنن النسائي ج 8 ص 174