وتضييقًا بناء على علمه وحكمته جل وعلا، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الروم 37] .
أيها المسلمون: إن العبرة في المال ليست بقلته ولا بكثرته، بل العبرة فيه ببركته وحسن تصريفه، فلا خير في مال كثير تعمل فيه مناجل المحق والإذهاب، والخير كل الخير في مال تعيش فيه البركة وتصاحبه ولو قل.
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" [1] .
إخوة الإسلام، إن البركة نماء وزيادة، حظي بها بعض عباد الله، ورسولنا صلى الله عليه وسلم دعا بها في مواطن متعددة، ولعدد من الصحابة منهم أنس بن مالك رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام فيه: (اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته) [2] . فوجد أنس رضي الله عنه أثر هذه الدعوة في حياته فقال كما في الأدب المفرد للبخاري بسند صحيح:":فدفنت مائة وثلاثة، وإن ثمرتي لتطعم في السنة مرتين، وطالت حياتي حتى استحييت من الناس وأرجو المغفرة". وعند مسلم قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي يتعاقبون على نحو المائة"."
أيها المسلمون، إننا نشكو اليوم من قلة أو ذهاب هذه النعمة: نعمة البركة في الأموال والأرزاق، مع أن الأرباح كثيرة والمصادر المالية متعددة، ولكن البركة لا مكان لها فيها، لماذا نزعت البركة في المزروعات والمصنوعات، والمكاسب والمرتبات؟! نسمع الآباء يحدثوننا عن البركة في أيامهم الماضية فنعجب مما كان ومما آلت إليه الأحوال.
أيها الأحبة الكرام، نزْعُ البركة يعد مصيبة من المصائب، وعقوبة من العقوبات، وجزاء وفاقًا للأعمال، واسمعوا قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى 30] . وقوله عز وجل: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال 53] .
وقال جل جلاله: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم 41] .
إن ذنوب العباد وتعديهم على حدود الله أصاب البلاد وأهلها بصنوف من المصائب والكوارث، فما هلكت أمة إلا بسيئاتها، ولا رُحمت إلا بطاعاتها. كم يُبارز اللهُ
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.