فهرس الكتاب

الصفحة 644 من 773

إلى المدينة-وكأنه قدر سيق له بعد الحذر الشديد- فلم يلبث الخبيث المجوسي أن ظهر عليه الحقد الفارسي، فقال لعمر يومًا: لأصنعن لك رحى يُتحدث بها، فقال عمر الملهم: أوعدني العبد آنفًا، ومرت الأيام وجاء يومه الذي استعد له بعد أن هيأ خنجرًا ذا رأسين، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في صلاة الفجر، فلما شرع عمر في الصلاة طعنه أبو لؤلؤة عدة طعنات وطعن معه عند فراره اثني عشر مصليًا مات منهم ستة، ثم طعن نفسه. فتبين حينئذ أن حذر عمر رضي الله عنه كان في محله.

عباد الله، أخيرًا أقول: لابد حين الأخذ بالحذر أن لا يوصل ذلك صاحبه إلى الوسوسة وسوء الظنون، فالمسلم يُحمل على السلامة ما لم يتبين منه شيء يُخاف.

وأن لا يوصله كذلك إلى ارتكاب شيء محرم أو التقصير في واجب؛ حرصًا على الحذر. وأن لا يوصله أيضًا إلى قطع الصلات التي أمر الإسلام بها بين المسلمين إلا عند التحقق من المفسدة الراجحة التي توصل إلى الضرر يقينًا.

هذا وصلوا وسلموا على خير البرية ...

ذم الكذب[1]

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا ه [2] ادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران 102]

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء 1] . أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسوله محمد، صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الناس، إن الصورة المشرقة لأي مجتمع من مجتمعات البشرية هي سمو أخلاقه، واستقامة سلوكه، وإن البشرية منذ نشأتها لم تزل متعارفة على تعظيم محاسن الخلق ومحبة أهلها، وتحقير مساوئ الأخلاق وذم أصحابها. وإن الأنبياء والحكماء والعقلاء والمصلحين في كل أمة لم يقصروا في إرساء أبنية الخلق القويم وهدم أكواخ الخلق الأثيم. والإنسان مدني بطبعه اجتماعي بفطرته، لا يأنس إلا بالعيش مع الآخرين،

(1) ألقيت في مسجد ابن الأمير الصنعاني في 12/ 2/1433 هـ، 6/ 1/2012 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت