وبهذا الاجتماع والحياة المشتركة يحصل الابتلاء، وتظهر معادن الرجال في امتثال محاسن الأخلاق في الأقوال والأفعال.
عباد الله، إنه لم يتفق الأنام على اختلاف أديانهم وبيئاتهم كاتفاقهم على ذم الكذب ومدح الصدق، ففي كل زمان يُرى الكذب خلقًا مبتذلًا، والاتصاف به سمة دنيئة لا تليق بالإنسان العاقل.
لقد كان العرب في جاهليتهم يأنف الرجل منهم أن يقال عنه: كذاب. وقال أبو سفيان رضي الله عنه-قبل إسلامه في قصة دخوله على هرقل-: (فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبًا لكذبت عنه) [1] .
عباد الله، إن خلق الكذب بوابة لمساوئ الأخلاق، وجسر إلى رذائل الأعمال وتغيير الفطر المستقيمة، وانحراف العادات القويمة، قال النبي صلى الله عليه و سلم: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقًا وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا) [2] .
هذا الخلق الدنيء قد ينشأ عن المعتقدات المنحرفة، فمن كان اعتقاده مبنيًا على الكذب ويعده قربة يتقرب بها إلى الله تعالى فلا يبالي بالتحلي بالكذب ومعرفة ذلك عنه وشهرته به.
أو ينشأ عن الأفكار المائلة، فمن كان فكره منحرفًا يحاول إقناع الناس بما عنده بما يستطيع من الوسائل، ولن يسلم من ركوب مطية الكذب حتى يصل إلى هدفه.
أو ينشأ عن النفوس التي مردت على الخلق السيء. فمن كانت نفسه معتادة على الأخلاق السيئة والبعد عن الاستقامة والهدى فإنه لن ينأ عن سلوك طريق الكذب حتى يحقق لنفسه المصالح ويدفع عنها المضار.
أيها الأحبة الكرام، إن للتربية والنشأة الأولى للإنسان أثرها في هذا الخلق، فمن نشأ على حب الصدق وبغض الكذب قل أن يكون كذابًا في كبره، ومن تربى على سماع الكذب ومحبته وممارسته قل أن يكون صادقًا عندما يكبر؛ ولذلك قال لقمان لابنه:"يا بني، احذر الكذب؛ فإنه شهى كلحم العصفور، من أكل شيئًا منه لم يصبر عنه". وقال بعض الحكماء:"من استحلى رضاع الكذب عسر فطامه".
(1) رواه البخاري.
(2) متفق عليه.