فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 773

مفاتيح الرزق[1]

الحمد لله الغني الوهاب، الكريم التواب، لا تغيظه نفقة بإعطاء، ولا تلحقه فاقة بإسداء؛ فلله خزائن السموات والأرض، ويد الله ملأى، لا تغيظها نفقة، سحاءُ الليلَ والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يده.

ولو أن العباد أولهم وآخرهم، وإنسهم وجنهم قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكه إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر. فسبحان الواسع المعطي!

وأشهد أن لا إله إلا الله الغني عن عباده وجميعهم إليه مفتقرون: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر 15]

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما.

أما بعد:

فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله؛ فإنها العروة الوثقى، والعون الأقوى، قال الله تعالى: {يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر 16] .

عباد الله، إن الله خلق الخلق, وأسكنهم هذه الأرض وهم عاجزون عن كفاية أنفسهم، وإصلاح معايشهم، وبهم حاجة ملحّة إلى بارئهم اختيارًا واضطرارًا، لا يسدها أحد سواه.

فالفقر والحاجة، والعوز والفاقة أوصافهم الذاتية السرمدية، والغنى والوسع، والملك والعز أوصاف خالقهم الذاتية الأبدية , فلما خلقهم تكفل برزقهم وحده قبل وجودهم على هذه الأرض، ودخولهم بالحياة إليها، كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم تكون علقة مثل ذلك، ثم تكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر بأربع كلمات: كتب رزقه، وعمله، وأجله، وشقي هو أم سعيد) [2] .

ولن يخرجوا عن الحياة بالموت حتى يستكملوا ما كتب لهم من ذلك الرزق، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إن روح القدس نفث في روعي: أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها، و تستوعب رزقها، فاتقوا الله، و أجملوا في الطلب، و لا يحملن

(1) ألقيت في مسجد ابن تيمية في 28/ 10/1428 هـ.

(2) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت