فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 773

وداع رمضان[1]

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعونه تُنال المنى وتُبلغ الغايات، حمدًا طيبًا مباركًا فيه ملئ الأرض وملئ السماوات، وملئ ما شاء ربنا من شيء بعد.

له الحمد كما ينبغي لوجهه وعظيم سلطانه، وله الشكر على جزيل كرمه، ووافر امتنانه. له الحمد في أول الأمر وآخره، وباطنه وظاهره، وعلنه وسره، وحلو القدر ومره. له الحمد كما حمد نفسه وفوق ما يحمده خلقه.

وأشهد أن لا إله إلا الله الحي القيوم الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، الذي لا يزال على العرش مستويا، وفي الوجود حيا باقيا، لا يزول ولا يحول، وخلقه في تحول وزوال: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص 88] .

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وإمام الأصفياء والمتقين، من عبد ربه حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فاتقوا الله -عباد الله- وداوموا عليها في كل زمان ومكان، كما قال تعالى لسيد المتقين-عليه الصلاة والسلام: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الأحزاب 1] .

أيها الصائمون، اعلموا-رحمني الله وإياكم- أن الدهر يمضي ولا يعود، وأن أيامه تجري تباعًا بلا سكون، حلوها ومُرُّها، وخيرها وشرها، وهي غنيمة باردة لمن سابقها فسبقها أو أدركها، والحياة مهلة واحدة لا تتكرر، والفرص متحولة لا ترجع، والآجال خطّافة، لا ترِّيث ولا تمهل.

يركض الزمان بالإنسان لينقله من مكانه الموقوت حتى يستقر في موطنه الخالد: إما الجنة وإما النار.

كلما بلغ الدنيوي مدة من العمر نقص نصيبه من الحياة الدنيا؛ فإنه كلما زاد نقص، وإذا امتد مكثه قرُب نكثه.

لكل شيء إذا ما تم نقصان ... فلا يُغرّ بطيب العيش إنسان

وهذه الدار لا تبقي على أحد ... ولا يدوم على حال لها شان

(1) ألقيت في مسجد ابن تيمية في 26/ رمضان/ 1429 هـ، 26/ 9/2008 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت