عباد الله، لقد دنت ساعات الرحيل، وبدت أمارات التوديع من الضيف الكريم.
فبينا قبل أيام قلائل نستقبله بشوق وتلهف، إذا بنا نودعه بحزن وتأسف. نعم، نودعه بالحزن على تلاوته وصيامه، وسخائه وقيامه، وتطهيره للنفس ورفعه للروح على مراقي السعود إلى سعادات الدنيا والآخرة.
فوا أسفاه على تلك الرياض النضرة، والنسائم العطرة؛ فالمسرة لا تدوم.
كانت تلك الأيام والليالي لحظات سعيدة مرت وسرعان ما قربت من الأفول؛ فساعات الحلاوة دقائق.
أيها الصائمون، ها هو رمضان على وشك أن يرفع مائدته المباركة بعد أن مدها لباغي الخير، فهلا امرؤ منا وقف عند هذا الفراق وقفة محاسبة وتأمل فيما قدم في الأيام والليالي القريبة الخالية.
هلا سأل الصائم نفسه كيف كان صيامه؟ أكان صومًا يرضي ربه تعالى: نوى به القربة والزلفى، لا الموافقة والمجاراة للناس؟ وهل وصل صيامه عند الخاتمة سالمًا من الجروح التي تخدش الصيام كسيئ القول والعمل؟
ما كان نصيبه من التلاوة، والقيام، والصدقة، وبذل الخير للناس؟
هل رق قلبه، ودمعت عيناه، وطابت نفسه، وارتفعت روحه، وصلحت جوارحه؟
هل غير رمضان حياته إلى الأفضل، أو أن رمضان كغيره من شهور العام؟
فمن وجد من المحاسبة في نفسه وعمله خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
أيها الصائمون، ها هو شهر الصيام يلوح بالوداع، ويوشك أن يذهب عنا فماذا تعلمنا من هذا المعلّم النافع؟
لقد علمنا رمضان أن الإنسان ضعيف مهما كان قويًا؛ ففقدُ اللقمة والشربة يُنهكه، وتضييق مجال الشهوة قد يتعبه، فهو فقير الحاجات، فلماذا تستغني عن ربك يا ابن ادم، وأنت فقير إليه!
وأظهر لنا رمضان جانبًا من جوانب رحمة الخالق الرازق بعباده حيث هيأ لهم الطعام والشراب الذي يحفظ بقاءهم، ويجدون فيه لذتهم وراحتهم، مذكرًا لنا- ونحن نتقلب في هذه النعمة متناولين ما نشاء مما أباح لنا- أقوامًا لا يجدون ما نجد، حتى أصبح الجوع والحاجة شعارهم ودثارهم طوال العام.