وعلمنا معلمنا الحبيب رمضان أن السعادة الحقيقية هي سعادة الروح لا سعادة البدن، وأن ظن السعادة بظاهر الحياة ولذاتها الحسية ظن كاذب وبرق خلب: لا غيث فيه.
ففي رمضان تتجلى السعادة الروحية في صيام صادق، ومناجاة خاشعة، وتلاوة متدبرة، وكف سخية في دروب البر.
وعلمنا رمضان أن النفس لا تصلح إلا بكبح جماحها، ومنعها أهواءها، وحبسها عن طيشها، وعدم مجاراتها في شهواتها.
وأنك مهما تعط نفسك سؤلها ... تمنت وتاقت إلى كل مطلب
ألا ما أنفع تلك الليالي الأخيرة من رمضان ونفس الصالحين مجدة، والقلب خاشع، والطرف دامع، والكف ممدودة إلى السماء، والأقدام منصوبة بين يدي الله تعالى، وبركات تلك الليالي تتنزل فتكسو الوجوه ألقا، والصدور انشراحا، والنفس زكاة وطهرة.
وآهٍ من المسلمين حينما لم يتعلموا من رمضان الاتحاد وجمع الكلمة-وهو يجمعهم بالصيام في شهر واحد في العام-؛ لينهضوا من كبوتهم؛ ويصلحوا بذلك دينهم ودنياهم.
أيها الصائمون، إن رمضان سوق كثيرة الخيرات، وبضاعتها معروضة لمن شاء، يردها الناس فيصدرون بين رابح وخاسر.
وربحها وافر مضاعف، وخسرانها عظيم لو عرفه أهل الخسارة لتقطعت قلوبهم على خيره حسرات.
فالرابحون في رمضان هم الصائمون المخلصون، والتالون المتدبرون، والقائمون الخاشعون، والكرماء الباذلون لأهل الحاجة ابتغاء وجه الله تعالى.
والرابحون في رمضان من جعلوا رمضان مزرعة لخير تتدلى عليهم ثمراته في الدنيا باستقامة تعقب رمضان، وأجر ومثوبة في يوم الحساب.
وأما أهل الخسارة فهم المضيعون لحظ أرواحهم فيه، الذين فاتتهم فضائله، وتجاوزتهم نوائله.
الخاسرون فيه هم من أفطروا نهاره، وقضوا ليله في اللهو والعبث.
والخاسرون في رمضان من صاموا عما أباح الله تعالى، وأفطروا على ما حرم الله عز وجل من هتك الأعراض بالطعن والبطش والتعدي.