فهرس الكتاب

الصفحة 434 من 773

لقد بين الله تعالى المطلوب من العباد في الأشهر الحرم وهو: الحفاظ على حرمتها وقداستها، بقوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة 36] .

والظلم هنا جاء بمعنى أشمل وأعمق يتناول كل ذنب لازم أو متعدٍّ يرتكبه الإنسان. فالمذنب يظلم نفسه بمعاصيه من حيث يشعر أو لا يشعر؛ لأن تلك المخالفات تورد نفسه موارد العطب والهلاك في الدنيا والآخرة، -فيا عباد الله- هذه دعوة من الله تعالى لعباده أن يجعلوا بينهم وبين الذنوب حاجزًا؛ لعلهم يرحمون أنفسهم بذلك.

أيها الأحبة، لقد ختم الله الآية السابقة بقوله: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة 36] . كالتنبيه لأهل الإيمان بعد علمهم بأن ابتداء القتال للكافرين في الشهر الحرام حرام؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ} [المائدة 2] . وقوله: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة 5] . فقوله: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة 36] . تنبيه وإذن للمؤمنين بقتال المشركين إذا كانت البداءة منهم كقوله: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ} [البقرة 191] . فإن كان القتال قد ابتدأ في شهر حلال واستمر حتى دخل الشهر الحرام فلا مانع من مواصلة الجلاد والجهاد؛ لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء. وهذا القول على رأي بعض أهل العلم في بقاء حرمة قتال الكفار في الأشهر الحرم، لكن رأي جمهور العلماء أن هذا الحكم قد نسخ، وأن الجهاد للكفار مشروع في كل وقت.

نسأل الله أن يوفقنا لطاعته، ويحول بيننا وبين معصيته، فلا حول لنا ولا قوة إلا به.

هذا وصلوا وسلموا على النبي المختار ....

الكلمة الطيبة وآثارها الحسنة[1]

الحمد لله الرحيم الرحمن، خلق الإنسان، علمه البيان، وأشهد أن لا إله إلا الله القائل: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء} {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}

(1) ألقيت في مسجد ابن الأمير الصنعاني في 6/ 5/1435 هـ، 27/ 3/2014 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت