فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 773

إدراك السعادة في ظلال العبادة[1]

الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، أحمده على نعم تترى، وآلاء لا أدرك لها حصرا, وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة صدق تنجي صاحبها يوم الحق, وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله رحمة للعالمين، ومنارًا للسالكين، وحجة على خلقه أجمعين، صلوات ربي وسلامه عليه, ما تعاقب الملوان، واستمر الجديدان، وعلى آله وأصحابه وأزواجه، ومن انتهج هديه، واقتفى سعيه إلى يوم الدين.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، في أول أمركم ومنتهاه؛ فبتقوى الله صلاح دنيا المرء وأخراه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران 102]

أيها الناس، هناك ناس كثيرون ما زالوا يبحثون وسيبقون باحثين عنها حتى يصلوا إليها إن قُدِّر لهم ذلك؛ لأنها مطلب حياتي لا تحلو الحياة إلا بها، نعم، ظلوا واستمروا يبحثون عن السعادة وعن الراحة؛ علهم يلقون في ظلالها الاطمئنان والأمان.

يقول كثير من الناس: إنهم غير سعداء، يعيشون حياة مغمورة بالكدر والضنك والحزن والهم، والقلق والوحشة، لا ابتهاج ولا سرور، ولا ارتياح ولا نعيم، ظلام دامس، في نهار شامس، وضيق خانق، في وسع مترامٍ باسق، يطول الزمان دون الوصول إلى الأماني وشواطئ الراحة، حتى تمنوا الموت، وما وصلوا إلى هذه الحال إلا من آثار هذا الشعور.

بحثوا عن السعادة في المال فلم يجدوها فيه، بل كان سبب شقائهم وتعاستهم لما وجدوه، ماذا حصّل قارون من ماله الوافر غير الهلاك! قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص 76] ثم كانت النهاية: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ} [القصص 81] .

بحثوا عنها في الجاه والتسلط على رقاب الآخرين، فوجدوا الشقاء، وما وجدوا الحياة الطيبة.

هل سعد فرعون وقد قال: { .. يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف 51] ؟!، ألم يكن هذا الماء الذي افتخر به قبرًا له

(1) ألقيت في مسجد ابن تيمية في 21/ 11/1428 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت