الخاسرون في رمضان هم الذين لم تعرفهم المساجد، ولم تألفهم المصاحف، ولم يعرفهم القيام، ولم تدركهم ليلة القدر، ولم تعتق رقابهم من النار.
أهل الخسارة في رمضان هم الذين لم يعرفوا من رمضان إلا كثرة النوم والكسل، والتوسع في المشرب والمأكل، والسياحة في عالم اللهو عبر الفضائيات أو صفحات الشبكة العنكبوتية، ناموا نهارهم وسهروا ليلهم في جلسات عابثة أو مجالس آثمة.
فماذا لو عرف الخاسرون قدر خسارتهم، ونتيجة تفريطهم، لا شك أنه سيشتد حزن من كان له قلب ويعظم تأسفه.
عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه و سلم صعد المنبر فقال: (آمين آمين آمين) قيل: يا رسول الله، إنك حين صعدت المنبر قلت: آمين آمين آمين؟! قال: (إن جبريل أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان ولم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل: آمين فقلت: آمين، ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل النار فأبعده الله قل: آمين فقلت: آمين، ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل: آمين فقلت: آمين) [1] .
أيها المسلمون، في نهاية كل عمل يكون الأجر، فمن وفّى عمله وفي له أجره، ومن قصر حصد نتيجة تقصيره وتفريطه حرمانا وندما:
غدًا توفى النفوس ما كسبت ... و يحصد الزارعون ما زرعوا
إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم ... و إن أساءوا فبئس ما صنعوا
أيها الأحبة الصائمون، يوشك البساط أن يُطوى، والحبيب أن يفارق فراق وامق.
ومع تلك اللحظات تحن قلوب المتقين إلى ذلك الحبيب، وتتفجر العيون بمدامع الحزن؛ فقد لا يعود إليهم ولا يعودون إليه؛ فالآجال بيد الله عز وجل.
هكذا-معشر المسلمين- تُجمع صحيفة رمضان إلى سجل الذاهب الذي لا يرجع، ويأفل بدر هذه الليالي المقمرة والأيام المشرقة، وليس منا إلا الصبر على الوداع المر لضيف كان كالطيف لم تطل إقامته.
نودعه وحزننا يتبعه، ودموعنا تشيعه، والقلب يَبكيه ولا يُرجعه، وإن العين لتدمع، والقلب ليحزن، وإنا على فراقك يا رمضان لمحزونون:
وداعك مثل وداع الربيـ ... ع وفقدك مثل افتقاد الدِّيَم
(1) رواه ابن حبان والطبراني، وهو حسن.