أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصية الله؛ فإن الله تعالى لا يُنال ما عنده إلا بطاعته) [1] .
عباد الله، لقد كان من حكمة الله العليم الخبير أن يكون الناس صنفين: فقراء وأغنياء؛ وأن لا يكونوا صنفًا واحدًا، ويبدو أن من حكمة ذلك: حصول تبادل المنافع بينهم، وتحقيق مقاصد الحياة الجماعية، قال تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} الزخرف 32.
والله حكيم في بسطه وقدْره رزقَ عباده، قال تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} العنكبوت 62، وفي ذلك التفاوت دلائلُ على حكمة الله وعلمه بعباده، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} الروم 37، وبعض الناس لا يعرف هذه الحكمة؛ فيظن إغناءه محبة ونعمة، وفقره كراهية ونقمة! قال تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} سبأ 36
بل إن من نعمة الله على بعض الناس: العيش في ظل الفقر؛ لأن الغنى خطر عليه؛ إذ هو بوابة البغي والطغيان، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، قال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} الشورى 27.
فعلى المسلم أن يرضى بقدر الله وقضائه، ويعلم أن اختيار الله له خير مما يتشوف إليه ويريده، وعليه أن يعلم كذلك أن قضية الرزق من قضايا الإيمان بالقدر، وأن الغنى غير آتٍ بذكاء الأذكياء، أو سعة عقول العقلاء؛ فكم من صاحب ذكاء كبير يرافقه الفقر والحاجة، وكم من جاهل غير فطن يتقلب بين أحضان الغنى والترف:
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بتخوم أعناق السماء تعلقي
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤسُ الذكي وطيب عيش الأحمق
فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للقادر الحكيم، وسبحان الله الرزاق الذي كفى خلقه، ووسعهم رزقُه، وأعطى خلقه حسب العلم والحكمة، واللطف والرحمة!
عباد الله، إن الله هيأ لعباده في هذا الكون أسباب الرزق ووسائله: فأرض مبسوطة فيها عوامل العيش، وسماء تسكب الغيث عليها فتنبت من كل زوج بهيج، قال تعالى: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ 24} أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا {25} ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ
(1) رواه الحاكم وعبد الرزاق وغيرهما، وهو صحيح.