فهرس الكتاب

الصفحة 643 من 773

معاوية: لا والذي بعث محمدًا بالحق لا أحمل فيه مسلمًا أبدا، وتالله لمسلمٌ أحب إليّ مما حوت الروم، فإياك أن تعرض لي"."

أيها المسلمون، وكما يحذر المسلم على دينه ونفسه وأهله وأولاده وعلى المسلمين، عليه أيضًا أن يحذر على بلاده التي باستقرارها استقراره، وباضطرابها اضطرابه، فلا يسعى في تخريب بيته ومستقره إلا من في عقله شيء، كمجنونة قريش التي كانت كلما غزلت شيئًا نقضته بعد إبرامه وإتمامه، قال تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} [النحل 92] . فيحذر الفوضى وترويع الآمنين وتخريب المصالح العامة والخاصة؛ فإن الله لا يصلح عمل المفسدين.

وعلى العقلاء الكبار في هذه البلاد أن يحذروا أن توصلهم اختلافاتهم الحزبية والمصلحية والسياسية إلى صراعات مسلحة تأتي على الحرث والنسل، فليفكروا بالعواقب الوخيمة لذلك، وليفكر كل واحد منهم أيضًا أنه سيقف بين يدي ربه فيسأله عن عمله ولا ينفعه هناك حزبه أو جماعته أو قائده أو من يفسد من أجله.

فلتجتمع الجهود لتوحيد الصف ورأب الصدع والوقوف في وجه العدو المشترك، ومعالجة الأمور بروية وحكمة؛ حرصًا على جمع الكلمة وتوحيد الناس، وتفويتًا لأماني المخربين والمفسدين. كما قال ذلك الأب الناصح لأولاده:

كونوا جميعًا يا بَنيَّ إذا اعترى ... خَطْب ولا تتناثروا أفرادا

تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا ... وإذا افترقن تكسرت آحادا

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله الرحيم الرحمن، خلق الإنسان، علمه البيان، والصلاة والسلام على سيد البشرية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، أما بعد:

أيها المسلمون، لقد فاز بالظفر من أخذ بالحذر، فحصلت له الرغائب وأمن من المعاطب بقدر الله تعالى.

وسيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام مليئة بصور النتائج الطيبة لحذر رسول الله عليه الصلاة والسلام.

أما الغافلون عن الحذر فإنهم يجنون الخيبة والندامة، وما ينفع النادم ندمه بعد الفوات.

حكي أن أعرابيًا أخذ جرو ذئب فرباه بلبن شاة عنده، فقال: إذا ربيته مع الشاء أنس بها فيذب عنها ويكون أشد من الكلب، ولا يعرف طبع أجناسه، فلما قوي وثب على شاته فافترسها، فقال الأعرابي:

بقرتَ شويهتي وفجعت قومي ... وأنت لشاتنا إبن ربيب

غُذِيت بدّرها ونشأت معْها ... فمن أنباك أن أباك ذيب

إذا كان الطباع طباع سوء ... فلا أدب يفيد ولا أديب

عباد الله، إن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه كان ذا حذر شديد وفراسة صادقة، ومن ذلك: أنه كان يمنع الموالي البالغين من دخول المدينة حتى تسلم دار الهجرة من خبثهم، ولكن كتب له المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن لديه غلامًا مجوسيًا عنده قدرة على عدة صناعات يمكن أن ينتفع به المسلمون في المدينة، فأذن له أن يرسله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت