وفي هذا الجو الملبد بغيوم الأسى تشرق بشارة متألقة برحلة مقدسة مدتها ليلة واحدة لرجل واحد من الأولين والآخرين، يمضي بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، صحبةَ جبريل عليه السلام، مغادرًا مكة المكرمة صاعدًا إلى السماوات العلى، ثم يهبط إلى الأرض المباركة بيت المقدس مجمع الأنبياء والمرسلين، ثم يعود إلى فراشه عليه الصلاة والسلام.
إنها رحلة المشتاق إلى من أحب، رحلة بالعروج إلى العلي الأعلى للقرب والمناجاة، والدنو والملاقاة، تجاوزَ السماوات، وارتفع في المقامات، حتى انتهى إلى المقام الأعلى وخاطبه ربه الكريم بما شاء، ثم أكرمه بالإسراء إلى خير بقاع الأرض بعد مكة؛ ليلقى رفقاء المهمة العليا والرسالة الكبرى، فيتقدمهم إمامًا؛ لتقدمه عليهم فضلا، ثم يؤوب إلى بيته بعد هذه الرحلة العلية مسرور النفس، منشرح الصدر، مغمورًا بالسعادة والطمأنينة، بعد سنين من العناء والبذل والتضحية.
يا أيها المسرى به شرفًا إلى ***ما لا تنال الشمس والجوزاء
يتساءلون وأنت أطهر هيكل ***بالروح أو بالهيكل الإسراء؟
بهما سموت مطهرينِ كلاهما ** ... * ... نور وريحانية وبهاء
فضل عليك لذي الجلال ومنة ***والله يفعل ما يرى ويشاء
أسرى بك الله ليلًا إذ ملائكه *** والرسل في المسجد الأقصى على قدم
صلى وراءك منهم كل ذي خطر *** ومن يفز بحبيب الله يأتمم
جبتَ السماوات أو ما فوقهن بهم *** على منوّرة درية اللجم
ركوبة لك من عز ومن شرف *** لا في الجياد ولا في الأينق الرُسم
أيها المسلمون، إن رحلة الإسراء والمعراج إكرام من الله تعالى لرسوله محمد عليه الصلاة والسلام؛ ليطلعه ربه على آيات من آياته الكبرى، فيراها عِيانًا، ويسمعها قريبًا؛ ليزداد ثقة إلى ثقته وقوة إلى قوته، وثباتًا إلى ثباته، وأملًا إلى أمله.
ففي حكمة العروج يقول تعالى: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم 18] .
وفي حكمة الإسراء يقول جل وعلا: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الإسراء 1] .