أما بعد:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ..
أيها المسلمون! اعلموا -رحمني الله وإياكم- أن في تقلب الزمان من ليل إلى نهار، ومن نهار إلى ليل، ومن صيف إلى شتاء، ومن شتاء إلى صيف لعبرةً لأولي الأبصار الذين يعقلون عن الله حِكمَه في فعله وتقديره، وتصريفه وتدبيره.
قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} [آل عمران 190] ،
وقال جل وعلا: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ 71} قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ {72} وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {73} القصص،
قال ابن القيم رحمه الله: (تأمل بعد ذلك أحوال هذه الشمس في انخفاضها وارتفاعها لإقامة هذه الأزمنة والفصول وما فيها من المصالح والحكم؛ إذ لو كان الزمان كله فصلًا واحدًا لفاتت مصالح الفصول الباقية فيه، فلو كان صيفًا كله لفاتت منافع مصالح الشتاء ولو كان شتاء لفاتت مصالح الصيف وكذلك لو كان ربيعًا كله أو خريفًا كله ... وفي الصيف يحتد الهواء ويسخن جدا فتنضج الثمار وتنحل فضلات الابدان، والأخلاط التي انعقدت في الشتاء وتغور البرودة وتهرب الى الأجواف؛ ولهذا تبرد العيون والآبار ولا تهضم المعدة الطعام التي كانت تهضمه في الشتاء من الأطعمة الغليظة؛ لأنها كانت تهضمها بالحرارة التي سكنت في البطون، فلما جاء الصيف خرجت الحرارة الى ظاهر الجسد وغارت البرودة فيه) .
عباد الله! لقد أظلنا-نحن أهل المناطق الباردة- فصلُ الصيف بجماله وظلاله، وإشراقه وهداياه، بعد رحيل فصل الشتاء بجفافه ورياحه، وعبوسه وبلاياه. لقد انتظر فصلَ الصيف منتظرون ليستنشقوا هواءه العليل، ونسيمه الجميل، ويرون فيه ابتهاج الحياة وحسن منظرها، حينما يسدل الصيف على السماء صفاء وبهاء، وعلى الأرض اخضرارًا ورِواء، فتبتهج النفوس، وتتسع الصدور، وتخصب العقول، وتستنير العيون.