إنه الكلام الذي أعيى الفصحاء، وأعجز البلغاء، وأخرس الخطباء، ولم يكن بنظم شاعر، ولا سجع كاهن، ولا بقول إنس ولا جن.
له حلاوة وعليه طلاوة، أسفله مغدق وأعلاه مثمر. إنه القرآن الكريم، كلام رب العالمين، وحبل الله المتين، و النور المبين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، والشفاء الناجع، والعصمة لمن تمسك به، والنجاة لمن اتبعه.
أيها المسلمون، إن هذا القرآن حياة الأرواح من موت الكفر والعصيان والقسوة، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى 52] . وهو نافع لقارئه في الدنيا والآخرة، شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار.
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة) [1] .
فيه الأجر والثواب، والتجارة التي لا تبور، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} [فاطر 29] .
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) [2] .
عباد الله، إن حفاظ القرآن العاملين به هم أصفياء الله من خلقه، وخيرته من عباده، ومن أعلى الناس درجات في الجنة يوم القيامة.
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إن لله أهلين من خلقه) ، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: (أهل القرآن هم أهل الله وخاصته) [3] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلك عند آخر آية تقرأها) [4] .
أحبتي الفضلاء، نحن في شهر رمضان في روضة فواحة بالفضائل والعبادات المتنوعة، وعلى رأس هذه العبادات: قراءة القرآن الكريم.
فللقرآن ارتباط وثيق بالصيام عمومًا وبرمضان خصوصًا، فكلاهما يصفي الروح ويجلو القلب والعقل، والقيام بهما معًا له شأن من الحلاوة والراحة، وقد جمع رسول الله بين الصيام والقرآن فقال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول
(1) رواه مسلم.
(2) رواه الترمذي، وهو صحيح.
(3) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وهو صحح.
(4) رواه أحمد وأبو داود وابن حبان، وهو صحيح.