فهرس الكتاب
وتفكر في عظمته؛ لتربي هيبته في قلبك؛ فتسعى لعبوديته، قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر 67] .
قال بشر بن الحارث الحافي رحمه الله:"لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل".
وتفكر في شريعة الإسلام التي منَّ الله بها عليك، كيف أكملها وأتمها، ويسرها ورفع الحرج عنها، وكيف كانت مراعية لمصالح الخلق في كل زمان ومكان، شاملة لكل ما يهمهم، باقية قوية صامدة شامخة رغم شدة الحرب عليها والتآمر على مبادئها وأحكامها السماوية الخالدة،
قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج 78] . وقال: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} [الأنعام 38] .
تفكر -أيها الصائم- في خلق الله تعالى كيف خلقه وأبدعه، وأنشأه وصنعه، {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} النمل 88].
فانظر هذه الأرض كيف بسطها وسواها، وهذه السماء كيف رفعها وبناها، وهذه الجبال كيف ثبتها وأرساها، وهذه الأنهار كيف أنبعها وأجراها، وهذه البحار كيف مدها ودحاها، والمواخر الجواري عليها كيف حفظها وأجراها إلى مهواها، والأرض الجدباء البور كيف أخصبها وأحياها، وأشجارها وثمراتها كيف تفاوتت -بقدرته- صنوفها وألوانها وطعومها.
قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ {190} الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {191} [آل عمران 190 - 191] .
قال ابن عمير لعائشة رضي الله عنها: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال: فسكتت ثم قالت: لما كان ليلة من الليالي قال: (يا عائشة، ذريني أتعبد الليلة لربي) قلت: والله إني لأحب قربك وأحب ما سرك، قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله، لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما