فهرس الكتاب

الصفحة 498 من 773

وتعرفون ثبات الصحابة المعذبين في مكة كبلال وخباب وأسرة آل ياسر وغيرهم. ما الذي جعلهم يتحملون ذلك العذاب الشديد؟ إنه شيء واحد اسمه الإيمان.

وحينما يستقر الإيمان في القلب تقل الدنيا وتصغر في عين صاحبه، فلا يقدم على الآخرة شيئًا من الدنيا يذهب إيمانه أو يضعفه، فلو ذهبت دنياه كلها وبقي له دينه فلا يبالي.

إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر

ترك المهاجرون في مكة أموالهم وتجاراتهم وأهاليهم ودنياهم كلها ثم خرجوا بالإيمان.

عن صهيب رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة و خرج معه أبو بكر رضي الله عنه و كنت قد هممت بالخروج معه فصدني فتيان من قريش، فجعلت ليلتي تلك أقوم و لا أقعد فقالوا: قد شغله الله عنكم ببطنه، و لم أكن شاكيًا فقاموا فلحقني منهم ناس بعدما سرت بريدا ليردوني فقلت لهم: هل لكم أن أعطيكم أواقي من ذهب و تخلون سبيلي و تفون لي؟ فتبعتهم إلى مكة فقلت لهم: احفروا تحت أسكفة الباب فإن تحتها الأواق و اذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين و خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن يتحول منها يعني: قباء، فلما رآني قال: يا أبا يحيى، ربح البيع ثلاثًا، فقلت: يا رسول الله ما سبقني إليك أحد و ما أخبرك إلا جبريل عليه السلام) [1] .

وحينما يكون القلب معمورًا بالإيمان تثبت النفوس أمام البلايا والمحن من مرض أو فقر أو تشريد.

وعندما يزيد الإيمان في القلوب يغدو صاحبه منصفًا للناس من نفسه، فيكون مع الحق أينما كان، لا يتعصب لجنسه أو لونه أو عرقه أو قبيلته أو وطنه أو حزبه أو جماعته في الباطل؛ لأن الإيمان يفرض عليه التوجه مع الحق أينما مضت ركائبه.

قال حذيفة رضي الله عنه:"ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار".

عباد الله، إن الإنسان إذا زاد حظه من الإيمان فسيخاف الله تعالى من أن يقع في معاصيه، ويخاف الله أن يؤذي عباده بقول أو فعل. قال تعالى عن ابني آدم: لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ

(1) رواه الطبراني والحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت