الخطبة الثانية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه،
أما بعد:
أيها المسلمون، لقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زمان يقل تحري المال الحلال فيه، وهذا يدل على فساد ذلك الزمان، وها نحن نجد بعض ملامح ذلك الزمان في أيامنا هذه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام) [1] .
كم هم اليوم الذين يتحرون في مكاسبهم ويخافون من مكاسب الحرام؟
وكم هم اليوم الذين يخلصون في أعمالهم ووظائفهم بقوة وأمانة في أدائها لينالوا الراتب الحلال؟
وكم هم الذين يجدون البركة في مكاسبهم وأثرها في بيوتهم وأهليهم؟
عباد الله، هناك مشكلات كبيرة تحدث في المجتمعات سببها قلة مراقبة الله في المكاسب وتصريف الأموال في غير موضعها. فكم هي الفجوات والنزاعات التي تحصل بين الشعوب والحكام، وبين الشعوب فيما بينها، ومن أسبابها العظيمة: الخيانات المالية.
إن من المشكلات الممتدة التي تعانيها بلادنا: النزاع في الأراضي التي يسطو عليها من لا يخاف الله تعالى ولا يبالي باكتساب الحرام، مغترًا بسلطته أو قوته أو قبيلته أو أتباعه، ناسيًا العواقب الوخيمة لسلبه حقوق غيره.
إننا نسمع ما يجري من القتل وشدة الاختلاف والشجار في الأراضي، ولو كان هناك مراقبة لله تعالى في قضية الكسب والتملك لما حصل ما حصل.
ألا فليعلم ذلك الظالم الآخذ أرض غيره إما بقوة وإما بحيلة أن ذلك لا يفوت عند الحكم العدل سبحانه وتعالى، ولو قضى له به قضاة الدنيا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب له النار وحرم عليه الجنة، قالوا: وإن كان شيئا يسيرًا يا رسول الله، فقال: وإن كان قضيبًا من أراك) [2] .
وعن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: (ألك بينة) ؟ قال: لا، قال: (فلك يمينه) قال: يا رسول الله، إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع عن شيء، فقال: (ليس لك منه إلا يمينه) فانطلق ليحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر: (لئن حلف على مال ليأكله ظلمًا ليلقين الله وهو عنه معرض) [3] .
وعن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم أن رسول
(1) رواه البخاري.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه مسلم.