فهرس الكتاب

الصفحة 602 من 773

أيها الناس، إنما جزاء الإحسان الإحسان، وثواب المعروف شكره، والخير عند الكريم لا يضيع بالتقادم، بل تعظم مكافأة أهله عند الحاجة إليه. ولا شك أن أعظم الناس إحسانًا إلى الإنسان والده، اللذان تسببا في مجيئه إلى هذه الحياة. فإنهما قد أحسنا إلى ولديهما واعتنيا به منذ أن كان عدمًا إلى أن صار وجودًا.

لقد حملته أمه بين أحشائها تسعة أشهر متصلة وعانت ببقائه في بطنها ما عانت من الآلام والأوجاع. فقد ذاقت مرارات الوحم فهجرت محبوباتها وتجرعت مكروهاتها، وتحملت ثقل الحَمل وصعوبته، حتى جاءت ساعة الولادة ومقدماتها فصارعت الموت وصارعها، وقاست الشدة وتمرغت فيها، وضاقت بها الأرض بما رحبت فلم تسعها، حتى إذا صرخ بين يديها ابتسمت ابتسامة المحارب المنتصر المثخن بالجراح. لتنتقل بعد ذلك إلى المرحلة الثالثة من العناء فترضعه وتطعمه وتزيل عنه الأذى، وتسهر ليلها وتتعب نهارها من أجل راحته، وتؤثره على نفسها ليستريح ويشبع وينام، وكأنها تبنيه ولو تهدمت، وتحييه وإن ماتت.

ثم مازالت توليه عنايتها ورعايتها بعد ذلك.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت امرأة معها ابنتان لها تسأل فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة فأعطيتها إياها، فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها، ثم قامت فخرجت فدخل النبي صلى الله عليه و سلم علينا فأخبرته فقال: (من ابتلي من هذه البنات بشيء كن له سترًا من النار) [1] .

أيها الإنسان:

لأمك حق لو علمت كثير ... كثيرك يا هذا لديه يسير

فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي ... لها من جواها أنة و زفير

و في الوضع لو تدري عليها مشقة ... فمن غصصٍ منها الفؤاد يطير

و كم غسلت عنك الأذى بيمينها ... و ما حجرها إلا لديك سرير

و تفديك مما تشتكيه بنفسها ... و من ثديها شرب لديك نمير

و كم مرةٍ جاعت و أعطتك قوتها ... حنانًا و إشفاقًا و أنت صغير

فدونك فارغب في عميم دعائها ... فأنت لما تدعو إليه فقير

(1) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت