فهرس الكتاب

الصفحة 708 من 773

أيها المسلمون، إن كثيرًا من الناس قد يتجاوزون حدود الحق للحصول على اللذة، فمنهم من يجد لذته في الجاه والتسلط على الآخرين، فيعبر لنيل ذلك جسورًا من الظلم وبحارًا من الدماء، ومنهم من يجد لذته في الشهرة وبُعد الصيت فيسلك لأجلها آفاق الخطيئة ولا يبالي ما دامت ستوصله إلى غايته. ومنهم من يرومها في تعاطي مُذهبات العقول ومفسداته، ومنهم من يبتغيها من الاستطالة على الأعراض ونهش الحرمات، ومنهم، ومنهم .... الخ. فهل حقًا وجد هؤلاء لذة حقيقية؟ إنهم قد وجدوا لذة لكنها موهومة مزعومة شابتها الأكدار والمنغصات وعِظم التبعات: خوف وذل، عار وفضيحة، حد وعقوبة، واكتئاب قد يقود إلى الانتحار.

فأين يجد الإنسان الصالح اللذة الحقيقية؛ لأنها مطلب من مطالب الفطرة؟

يقول الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} النحل 97]، في هذه الآية الكريمة وأمثالها من نصوص الشريعة إرشاد فائق إلى رياض اللذة ومعاهدها الحقيقية.

إن اللذة التي ينبغي أن يتسابق إليها المتسابقون، ويتنافس في نيلها المتنافسون هي طاعة الله تعالى وطاعة رسوله الكريم عليه الصلاة وأتم التسليم. فإذا نيلت هذه اللذة طابت بها الحياة والتذ معها كل مباح.

يقول ابن تيمية رحمه الله:"لقد كنت في حال أقول فيها: إن كان أهل الجنة في الجنة في مثل هذه الحال إنهم لفي عيش طيب. وقال آخر: إنه ليمر على القلب أوقات يرقص منها طربا. وقال الآخر: لأهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم".

ومن أعظم صور اللذة في الطاعات: التلذذ بطاعة الصبر.

عباد الله، قال ربنا تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ )) [الملك:1 - 2] .

تبين هذه الآية الكريمة أن الحياة الدنيا التي يعقبها الموت أن أهلها خلقوا فيها للابتلاء والاختبار، والمفلحون في هذا الامتحان قليل، والخاسرون فيه كثير. ولم يكن فلاح المفلحين إلا بصبر ومصابرة، وثبات ومجاهدة، فطريق الحق ليس مفروشًا بالزهر والريحان والبسط الحمراء الأنيقة، بل هو طريق محفوف بالمكاره والعقبات الكأداء التي لا يتجاوزها إلا أولو العزم القائم والإيمان الصادق. فالجنة دار نعيم مقيم لا ينال إلا بعمل جاد في سبيل الحق، وانتصار على المعوقات الحائلة بين العبد وبين الوصول إلى تلك الغاية المنشودة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت