فهرس الكتاب

الصفحة 756 من 773

الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه، وعلى آله وأصحابه ومن والاه،

أما بعد:

أيها الناس، لازال عند العقلاء من الخلق أن الغيرة على الحمى والحق من العزة والرفعة، ألا وإن من أعظم الحرم والحمى: حمى الإسلام، فالمسلم العزيز من يغار على دينه أن يدنس من قبل أعداء الله أو يستذل مسلم لأجل تمسكه به، فيشعر المسلم بالعزة حينما ينصر ذاك الأخ المسلم، وإنه ليكويه الأسى والذل إذا رأى الكفرة والمنافقين يسومون أخاه المسلم الذل وهو عاجز عن غوثه ونصرته.

ومن الغيرة والعزة: الحفاظ على النفس والعرض والمال وحمايتها من الصيالة عليها.

عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار) [1] .

أيها الأحبة الأفاضل، إن صفوة المؤمنين وخيرة عباد الله الصالحين: العلماء العاملون، رفعهم الله بالعلم والعمل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة 11] .

فما أحسن أنوار العزة تلوح عليهم إذا قاموا بحق العلم الذي يحملونه حق القيام، ولم يصيروا ناطقين بالباطل أو ساكتين عن الحق، لا يخافون في الله لومة لائم. قال أبو العيناء:"لما حج الخليفة المهدي دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق أحد إلا قام، إلا ابن أبي ذئب، فقال له المسيب بن زهير: قم؛ هذا أمير المؤمنين، فقال: إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال المهدي: دعوه، فلقد قامت كل شعرة من رأسي".

وما أحسن قول الجرجاني وهو يتحدث عن عزة العلماء:""

يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلًا عن موقف الذل أحجما

أرى الناس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزة النفس أكرما

(1) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت